الاثنين، 27 مارس، 2017

الطفلة الحقيقية



كان الفناء -فناء بيت جدتي بالنسبة لي آنذاك، عالمًا شاسعًا من المعرفة والمغارات التي يختبىء فيها اسم الله وكلّ ما يذكّر به، امتداد الشمس بكامل أشعتها على أرضهِ المرقعّة بالأحمر والبنّي، أرضهُ السيراميكيّة التي كنت دائمًا أتخيلها وجهًا عريضًا ممتدّ، مجبرٌ على أن يحمل خطوِ أقدامنا الصغيرة والكبيرة، لم يختر أبدًا أن تخطو عليه الأشياء وتنام فوقه البقع وآثار الحمامِ واللعب، النخلة التي بعدها ممتدة كما لو أنها أطول شيءٍ في العالم، تحرس البيت وترعاه، وكلما تعبت انتثر منها رِطبٌ طيّب، النخلة التي كنت ألاحق بعينيّ الحشرات الصغيرة التي تسكن جذعها العريض وأفكر بقباحة مسكنها تلك المسكينة، وكم كنت أبصقُ على تربتها بكل براءةٍ حتى تكبر ولا تعطش، وليس بعيدًا عنها تمكثُ شجرة الليمونِ بغرور، وحبّات الليمون تتدلى منها خضراء وصلبة، لم أشهد أبدًا حبّة ليمونٍ صفراء.. كانت هذه أحد أمنياتي الصغيرة، حبّة الليمون الصفراء الحقيقيّة كما في سوق الخضراوات!

 كان الفناء عالمي.. وكان منهل دهشتي، الفناء الكبير، الذي لم يكن يومًا كبيرًا إلا لضآلة حجمي وقتها، أذكر اندهاشي وأنا أتأمل كل زاويةٍ فيها بأنّ لي عينًا! بأنني في الحقيقة أقفُ عند هذه الأشياء وأمامها وأبصرها تمامًا، واضحة وحقيقية، أشعرها بعينيّ الطفلتين، أغمض وأفتح لأتأكد بأن هذا العالم الممنوح لي من دون سؤال لا يزال موجودًا، وأفكر بالله الذي خلق لي تلك العينين والنعمة بأن أبصر ببساطة وعظمة... ، ورق الليمون حقيقيّ، قفص الدجاج كذلك، يدي حقيقيّة والأرض وحبال الغسيل والزاوية التي كان جدي يحبّ أن يركن إليها كل ظهيرة حقيقيّة، و .. أنا أيضًا. 


الاثنين، 14 نوفمبر، 2016






لحظة صمت

لكن لم يكن هناك من تحدث أصلًا

ولم تصدر أصوات من أي جهة

كان الصمت هو القابض بوحشة

على هذه البقعة الكئيبة منذ البداية

إذن، ماذا ستغير لحظة صمت أخرى؟

ماذا ستزيد غير الكآبة والفراغ ... 


الأزرق، هاتِ فرشاة باللّون الأزرق

دعني على الأقل أخفف من سوداوية المحيط

أجعله سائبًا ورائقًا وممتدًا بانفتاح لا بقلق

لو أن الموج يتلاطم لكان للوحشة رفيق

لو أن الرياح تبتدىء مسيرها لكان لهذا الصمت لحن

لكن الأزرق هو الحل، سأمضي عمري وأنا أغرق

هذا السواد حتى يزرّق.


على وجهك آثار قرصة قديمة،

حمراء بشكلٍ باهت مثل وردة ذابلة

لكن فتيّة ومنعشة وتوحي بالتقبيل

لعينيك غور كهوف تتفجر فيها النجوم

أنتِ مخيفة، وحيدة ... ويدفعني كل ذلك

وبكل غرابة لأن أحبّك، وأحيا .. 

إنها أحد تلك الحوارات السيئة والغريبة

التي تصمت من بعدها مرتاحًا 

ومثقلًا بالرضا.


كان من المفترض أن أعود

خلال دقائق

ساعات

أو ربما سنين ..

المهم أن أعود

لكن روحي آلفت غربة أن تسير بلا رجعة.


لماذا؟

لماذا على لغتي أن تتجمل؟

ماذا عن الفكرة؟ 

ماذا عن الأصوات التي تقول كل شيء

داخل رأسي، من سيسمع حقيقتها؟

لماذا علي أن أبتدع أسطرًا كي تفهم

القصائد تصيبني بالأذى

وأنت لا تجيد القراءة

قراءة روحي.






October 18th, 2016.

الخميس، 28 أبريل، 2016

عن دقيقةٍ ما من السادسة صباحًا.



كانت تعقد حاجبيها، وتزمّ شفتيها كما لو أنها ستقوم بتفجير العالم في أية لحظة، صوت يشبه الفرقعة، لا بالتأكيد لم تفجر شيئًا، كانت ببساطة تحاول فتح غطاء علبة الجبنة. الساعة السادسة صباحًا، تجول في المطبخ تعد لها شيئًا لتأكله، سيهبط بعد قليل من نومه إليها هو الآخر جائعًا لذا تعد له وجبة ليأكلها. تبًا! لقد تركت صنبور المياه مفتوحًا مجددًا، يؤلمها أن يذهب الماء سدى، ستظل لدقائق طويلة تحاول التشافي من تأنيب الضمير الذي يصيبها دومًا جراء حادثةٍ مثل هذه، الماء كنز، كم شخص يا ترى في هذا العالم وفي هذه اللحظة التي راح فيها الماء هباءً يفتح فمه على آخره من شدة العطش! تتجه إلى خزانة الأعشاب وأغلفة الشاي، تحتاج أن تدفأ، تعدّ لها شايًا أحمر وتركن في زاوية المطبخ قريبًا من النافذة وتتأمل بينما يأخذ الشاي وقته قطرات الندى الملتمة فوق الزجاج كما لو أنها لن تتلاشى مع مطلع الشمس بعد دقائق، البخار الصاعد من كوب الشاي يلامس الزجاج فينطبع كأثر عليه، تمسحه باصبعها وهي تفكر بأشياء أخرى وأيام لن تصل إليها، ليس الآن.

الأربعاء، 27 أبريل، 2016

شيءٌ يعبث داخلي.🎈



مرحبًا، صباح الخير،
 بوينوس دياس، بونجور.

ما زال يركل داخلي، بوتيرةٍ غير منتظمة، أحيانًا أشعره يتقلب ويتحرك، أشعر برأسه صوب خاصرتي ثم يصعد به أسفل قفصي الصدري. في شهري الثامن، نومي متقلب ويصعب علي أن أجد الوضعية الملائمة لأغفو، كل شيء يبدو أثقل، حتى الفكرة. أشعره كبُر، بطريقةٍ ضاق فيه رحمي ويريد أن يتفسح قليلًا خارجه، لكن الحياة ليست خيار فُسحة، إنها ببساطة قرار حياة، أدعو الله أن تتمّه على أكمل وجهٍ حبيبي. كنت أشتكي بيني وبين نفسي أنني فقدت شيئًا من صلتي بك، لكن ها أنت الآن تركل هنا وهناك كما لو أنك تمنحني فرصة جديدة، طيب شكرًا. لا أدري لم قررت هكذا فجأة الكتابة عنك هنا، إنك موثقٌ في كل مكان أعرف، لكنني لا أستطيع النوم، ومنبّه هاتف أبيك يزعجني وأشعر بالكسل فلا أقوم لأخرسه، تبًل له، وأبيك.. نائم بالعسل! لكن، لا بأس.. جميلٌ وهو نائم، لذا سنسامحه. كنت أملك خططًا لك، لكنني الآن لا أريد أن أفكر في أي شيء. 


6:03 AM
Thursday 
28-4-2016

الجمعة، 22 يناير، 2016

باب الكلمات ...





آخذ نفسًا طويلًا، ما حولي هادىء ويشعرني ذلك 
بالإحراج من الفوضى والإزعاج اللذان يعتملان داخلي. لقد آثرت أن أصمت لوقتٍ طويل واكتشفت بأن الكلام ليس طفلًا تحايله بالمضاد حتى يأتيك بما تشتهيه، لا أن تصمت فيأتيك الكلام، بل أن تُسهب في الحديث مع روحك حتى يدلّ الكلام أخيرًا معناه، وما من كلام يأتي مصادفة أو اعتباطًا، إنه يأتي حاملًا حسّه و رجعه الذي يمكن أن يكسر جبالًا من اللافهم إلا أنه لا يمنح حقيقته ومعناه لأي أحد ولأية لحظة، لذا لابد وأن تملك أذنًا ثالثة، تسمع فيها المكتوب والمنقول والمسموع كما لو أنك تلتقط كلمات جميلة من أغنية ما لتسجلها في دفتر مذكراتك أو في قلبك، لا تتردد للحظة على إجبار كلمة ما من أن تُكتب ولا تتهاون عن تلك التي تأتي بعدها ولا تُشفق على الثالثة المقبلة والرابعة وو حتى تمتلىء الأسطر بكلمات اُغتصِب حقها في أن تبقى كلماتٍ بلا معنى. كنت آخذ نفسًا طويلًا وانتهى بي الأمر أحرض على ما يشبه بعصيانٍ ضد الكلمة، لكن لا بأس، هذا ما تحتاجه روح آثرت الصمت على الثرثرة، آثرت الوقوف عند باب الكلمات على أن تخطو للجهة المقابلة من الباب وتتسلى بما شاءت من كلمات. 




الأربعاء، 30 ديسمبر، 2015

قائمة سماح

.
.
.

أسمح لي، 
بأن أكون عشوائية ومملّة وقاسية
هادئة ومتحاشية، وقليلة الكلام..
عديمة صبرٍ وبلا انتماءٍ أو أرضٍ ثابتة.
أسمح لي بأن أبكي على مشهدٍ لا يبكي
عليه الآخرون..
لأنه يكفيني أن أطرد البحر من عينيّ،
ولأنني أملكني أكثر مما يملكني الآخرون.
أسمح لي بأن أكتب بخطٍ سيىء كلامًا بلا معنى،
وأن لا أقع بالحب إلا مع شخصٍ ابتدعته
وأنا أسمع أغنية عاطفية.
أسمح لي بتبديل الأماكن،
والحزن على يومٍ لم يبدو فيه كحلي جميلًا.
أسمح لي بأن أكتفي بالسطح دون العمق،
وأن أكذب أكذب.. أكذب على نفسي.
أسمح لي بالسخافات،
وبالغضب من السخافات،
ومنك.. ومن العالم..
ومن لحظةٍ لا تبادلني فيها الكلمات مشاعري
الصديقة ولا تأتي لتكسر حلقة صمتي.
أسمح لي بأن لا أشرح لأحدٍ كيف ضاع وقتي،
وأن لا أبدو مختلفة عن أحدٍ لو شئت،
أو أن لا أشبه أحدًا لو استطعت.
أسمح لي بأن أبقى الشيطان الذي آثر
أن يبقي على ملائكيته، لأن سوءه يخصه،
لأنه شيطان مختلف ربما، لا أدري!
تبًا... وسأسمح لي الآن بأن أشاهد فيلمًا 
أو أحلم.


*الرابع والعشرون/ديسمبر/٢٠١٤*


الثلاثاء، 25 أغسطس، 2015

سِكِت الكلام ..



أريد أن أكتب، كثيرا ما أتيحت لي الفرص، لكن محبرتي نائمة .. أو أنني أصر على أن أصمت بدل أن أكتب، وأن أرقص بدل من أن أحرك صوتي، لا أملك إيقاعا جميلا وكلماتي فرت من حجرة السلام إلى ما وراء التعب، 
أُكمل في داخلي مقاطع من قصائد لا أعرف أصحابها، وأتمشى مع ما يضيع من أفكار في يوم بارد، افتح لي الباب .. حين يشتد علي الليل ولا أعود بأشياء معي ولي، افتح لي عينيك، ويديك .. والأغاني التي تحمي من الدمع أو تتركه يذرف على عشب القلب فأخضر .. أو ربما أغرق. تزرعنا العاطفة في التفاصيل وقليل الكلام ورقيق الهمس ونعومة الخطى، تزرعنا في تلاويح تود أن تعود عناقاتٍ وكلمات تتمنى لو ترجع قبلا دافئة. أعدّ ما تبقى لي من وقت كي أتقلب بطمأنينة على فكرة وأخرى، لا يهمني أن أعود، لأنني حين أرجع أختار أن أنام أو أن أذوب في مشهد غزل. وأحيانا أن أفتح قلبي لحديث متعب حتى من نفسه وأحميه .. داخلي، يتركنا الليل مكشوفين، ولا يكشف لنا أبدا أسباب صمته .. وحتى صوت صمته، نفتح أذاننا .. الليل هائم ومشتعل، لكن الجو بارد والشارع أحبّ مطر الأمس والبلل يتركه أخف وأقرب لاحتمال أن تشرق من بين شقوقه القاسية وردة ناعمة، أعمدة الإنارة ضيوف شرف حين يحل الليل، على شرفهم امتدت الشوارع وأخمدت البيوت قناديلها تكريما للشموس الصغيرة التي تحملها فوق رؤوسها الطويلة. تعبت .. بإمكاني أن أثرثر أكثر، لكن الكلام من زمان ضاع!