الاثنين، 10 سبتمبر 2018

يوم في المكتب.

البحر أمامي، مُغبر
كما لو أن أحدهم كبّ
فوقه رمل الشاطىء ومضى

أبحثُ عن زرقةٍ تلائم الروح
أو شجرًا يستر هوّةً
في القلب ممتدة

الشمس هذه الأيام
إما غائبة..
أو حارقة

اللاڤندر يحاول أن يكون
زهوة المكان..
لكن بلا جدوى
العتمة سبقت كل شيء

بعض من حبّات الفستق
وبطاقات مركونة بحبّ
تعطي القلب شيئًا من أمل..

علبة لبان لم أعد أشتهي طعمه
وعلبة أخرى لرقائق عدس 
لا أدري لم لا تزال هنا

رزنامةٌ مليئة أيامها بالإجازات 
المرضية.. ومواعيدٌ متأخرة جدًا

صورٌ لأنّاس أحبّهم علقتها على الجدار 
الأخضر للمكتب، أحبّهم طول عمري.

ما أطولك..
يوليو العنيد

ألوان وكراسة.. ورغبة في أن أكون
أن أكون قوية من أجلي.



الخميس، 

الاثنين، 30 يوليو 2018

حتى يعود الحرف مكانه.






أكتب، 
لأبحث لك عن مكانٍ في الروح،
قصيّ ودافىء 
حتى إذا فكر الوجع أن يمد يدّه لا يصلك، 
ليس وأنت داخلي 
وأنا أحميك بكل ما أوتيت
من إيمان ودعاء وتحصين،
أكتب لأحفظك أكثر،
مثل درس أتمنى أن يعاد كل مرة،
مثل سهولة ومتعة أن ترسم دائرة 
وتنطق حرف الـ "أو"، 
أكتب..
لأقاضي هذه الذاكرة 
كلما قررت أنها هشة ومتعبة، 
لأزرعك في جوف تربتي 
أصلًا طيبًا ثمره إشراقي، 
أكتب لأمدّ من حدود أرضك 
حتى اذا ما وقعت من سمائك 
تلقفتك في أحضانها، 
أكتب لأنني أريدك أن تظلّ موجودًا
وأن يبقى للحرف معنى 
ولكي تألف الكتابة دمي موطنًا،
ولكي تصبح الأفكار شلالاتٍ من نصوص 
لا يهم أن يقرأها أحد بل أن تطيل في الانهمار.. 
تنهمر، تنهمر، تنهمر،
حتى يرجع هذا القلب خفيفًا، 
ومحمومًا بك.

الاثنين، 14 نوفمبر 2016






لحظة صمت

لكن لم يكن هناك من تحدث أصلًا

ولم تصدر أصوات من أي جهة

كان الصمت هو القابض بوحشة

على هذه البقعة الكئيبة منذ البداية

إذن، ماذا ستغير لحظة صمت أخرى؟

ماذا ستزيد غير الكآبة والفراغ ... 


الأزرق، هاتِ فرشاة باللّون الأزرق

دعني على الأقل أخفف من سوداوية المحيط

أجعله سائبًا ورائقًا وممتدًا بانفتاح لا بقلق

لو أن الموج يتلاطم لكان للوحشة رفيق

لو أن الرياح تبتدىء مسيرها لكان لهذا الصمت لحن

لكن الأزرق هو الحل، سأمضي عمري وأنا أغرق

هذا السواد حتى يزرّق.


على وجهك آثار قرصة قديمة،

حمراء بشكلٍ باهت مثل وردة ذابلة

لكن فتيّة ومنعشة وتوحي بالتقبيل

لعينيك غور كهوف تتفجر فيها النجوم

أنتِ مخيفة، وحيدة ... ويدفعني كل ذلك

وبكل غرابة لأن أحبّك، وأحيا .. 

إنها أحد تلك الحوارات السيئة والغريبة

التي تصمت من بعدها مرتاحًا 

ومثقلًا بالرضا.


كان من المفترض أن أعود

خلال دقائق

ساعات

أو ربما سنين ..

المهم أن أعود

لكن روحي آلفت غربة أن تسير بلا رجعة.


لماذا؟

لماذا على لغتي أن تتجمل؟

ماذا عن الفكرة؟ 

ماذا عن الأصوات التي تقول كل شيء

داخل رأسي، من سيسمع حقيقتها؟

لماذا علي أن أبتدع أسطرًا كي تفهم

القصائد تصيبني بالأذى

وأنت لا تجيد القراءة

قراءة روحي.






October 18th, 2016.

الخميس، 28 أبريل 2016

عن دقيقةٍ ما من السادسة صباحًا.



كانت تعقد حاجبيها، وتزمّ شفتيها كما لو أنها ستقوم بتفجير العالم في أية لحظة، صوت يشبه الفرقعة، لا بالتأكيد لم تفجر شيئًا، كانت ببساطة تحاول فتح غطاء علبة الجبنة. الساعة السادسة صباحًا، تجول في المطبخ تعد لها شيئًا لتأكله، سيهبط بعد قليل من نومه إليها هو الآخر جائعًا لذا تعد له وجبة ليأكلها. تبًا! لقد تركت صنبور المياه مفتوحًا مجددًا، يؤلمها أن يذهب الماء سدى، ستظل لدقائق طويلة تحاول التشافي من تأنيب الضمير الذي يصيبها دومًا جراء حادثةٍ مثل هذه، الماء كنز، كم شخص يا ترى في هذا العالم وفي هذه اللحظة التي راح فيها الماء هباءً يفتح فمه على آخره من شدة العطش! تتجه إلى خزانة الأعشاب وأغلفة الشاي، تحتاج أن تدفأ، تعدّ لها شايًا أحمر وتركن في زاوية المطبخ قريبًا من النافذة وتتأمل بينما يأخذ الشاي وقته قطرات الندى الملتمة فوق الزجاج كما لو أنها لن تتلاشى مع مطلع الشمس بعد دقائق، البخار الصاعد من كوب الشاي يلامس الزجاج فينطبع كأثر عليه، تمسحه باصبعها وهي تفكر بأشياء أخرى وأيام لن تصل إليها، ليس الآن.

الأربعاء، 27 أبريل 2016

شيءٌ يعبث داخلي.🎈



مرحبًا، صباح الخير،
 بوينوس دياس، بونجور.

ما زال يركل داخلي، بوتيرةٍ غير منتظمة، أحيانًا أشعره يتقلب ويتحرك، أشعر برأسه صوب خاصرتي ثم يصعد به أسفل قفصي الصدري. في شهري الثامن، نومي متقلب ويصعب علي أن أجد الوضعية الملائمة لأغفو، كل شيء يبدو أثقل، حتى الفكرة. أشعره كبُر، بطريقةٍ ضاق فيه رحمي ويريد أن يتفسح قليلًا خارجه، لكن الحياة ليست خيار فُسحة، إنها ببساطة قرار حياة، أدعو الله أن تتمّه على أكمل وجهٍ حبيبي. كنت أشتكي بيني وبين نفسي أنني فقدت شيئًا من صلتي بك، لكن ها أنت الآن تركل هنا وهناك كما لو أنك تمنحني فرصة جديدة، طيب شكرًا. لا أدري لم قررت هكذا فجأة الكتابة عنك هنا، إنك موثقٌ في كل مكان أعرف، لكنني لا أستطيع النوم، ومنبّه هاتف أبيك يزعجني وأشعر بالكسل فلا أقوم لأخرسه، تبًل له، وأبيك.. نائم بالعسل! لكن، لا بأس.. جميلٌ وهو نائم، لذا سنسامحه. كنت أملك خططًا لك، لكنني الآن لا أريد أن أفكر في أي شيء. 


6:03 AM
Thursday 
28-4-2016

الجمعة، 22 يناير 2016

باب الكلمات ...





آخذ نفسًا طويلًا، ما حولي هادىء ويشعرني ذلك 
بالإحراج من الفوضى والإزعاج اللذان يعتملان داخلي. لقد آثرت أن أصمت لوقتٍ طويل واكتشفت بأن الكلام ليس طفلًا تحايله بالمضاد حتى يأتيك بما تشتهيه، لا أن تصمت فيأتيك الكلام، بل أن تُسهب في الحديث مع روحك حتى يدلّ الكلام أخيرًا معناه، وما من كلام يأتي مصادفة أو اعتباطًا، إنه يأتي حاملًا حسّه و رجعه الذي يمكن أن يكسر جبالًا من اللافهم إلا أنه لا يمنح حقيقته ومعناه لأي أحد ولأية لحظة، لذا لابد وأن تملك أذنًا ثالثة، تسمع فيها المكتوب والمنقول والمسموع كما لو أنك تلتقط كلمات جميلة من أغنية ما لتسجلها في دفتر مذكراتك أو في قلبك، لا تتردد للحظة على إجبار كلمة ما من أن تُكتب ولا تتهاون عن تلك التي تأتي بعدها ولا تُشفق على الثالثة المقبلة والرابعة وو حتى تمتلىء الأسطر بكلمات اُغتصِب حقها في أن تبقى كلماتٍ بلا معنى. كنت آخذ نفسًا طويلًا وانتهى بي الأمر أحرض على ما يشبه بعصيانٍ ضد الكلمة، لكن لا بأس، هذا ما تحتاجه روح آثرت الصمت على الثرثرة، آثرت الوقوف عند باب الكلمات على أن تخطو للجهة المقابلة من الباب وتتسلى بما شاءت من كلمات. 




الأربعاء، 30 ديسمبر 2015

قائمة سماح

.
.
.

أسمح لي، 
بأن أكون عشوائية ومملّة وقاسية
هادئة ومتحاشية، وقليلة الكلام..
عديمة صبرٍ وبلا انتماءٍ أو أرضٍ ثابتة.
أسمح لي بأن أبكي على مشهدٍ لا يبكي
عليه الآخرون..
لأنه يكفيني أن أطرد البحر من عينيّ،
ولأنني أملكني أكثر مما يملكني الآخرون.
أسمح لي بأن أكتب بخطٍ سيىء كلامًا بلا معنى،
وأن لا أقع بالحب إلا مع شخصٍ ابتدعته
وأنا أسمع أغنية عاطفية.
أسمح لي بتبديل الأماكن،
والحزن على يومٍ لم يبدو فيه كحلي جميلًا.
أسمح لي بأن أكتفي بالسطح دون العمق،
وأن أكذب أكذب.. أكذب على نفسي.
أسمح لي بالسخافات،
وبالغضب من السخافات،
ومنك.. ومن العالم..
ومن لحظةٍ لا تبادلني فيها الكلمات مشاعري
الصديقة ولا تأتي لتكسر حلقة صمتي.
أسمح لي بأن لا أشرح لأحدٍ كيف ضاع وقتي،
وأن لا أبدو مختلفة عن أحدٍ لو شئت،
أو أن لا أشبه أحدًا لو استطعت.
أسمح لي بأن أبقى الشيطان الذي آثر
أن يبقي على ملائكيته، لأن سوءه يخصه،
لأنه شيطان مختلف ربما، لا أدري!
تبًا... وسأسمح لي الآن بأن أشاهد فيلمًا 
أو أحلم.


*الرابع والعشرون/ديسمبر/٢٠١٤*


الثلاثاء، 25 أغسطس 2015

سِكِت الكلام ..



أريد أن أكتب، كثيرا ما أتيحت لي الفرص، لكن محبرتي نائمة .. أو أنني أصر على أن أصمت بدل أن أكتب، وأن أرقص بدل من أن أحرك صوتي، لا أملك إيقاعا جميلا وكلماتي فرت من حجرة السلام إلى ما وراء التعب، 
أُكمل في داخلي مقاطع من قصائد لا أعرف أصحابها، وأتمشى مع ما يضيع من أفكار في يوم بارد، افتح لي الباب .. حين يشتد علي الليل ولا أعود بأشياء معي ولي، افتح لي عينيك، ويديك .. والأغاني التي تحمي من الدمع أو تتركه يذرف على عشب القلب فأخضر .. أو ربما أغرق. تزرعنا العاطفة في التفاصيل وقليل الكلام ورقيق الهمس ونعومة الخطى، تزرعنا في تلاويح تود أن تعود عناقاتٍ وكلمات تتمنى لو ترجع قبلا دافئة. أعدّ ما تبقى لي من وقت كي أتقلب بطمأنينة على فكرة وأخرى، لا يهمني أن أعود، لأنني حين أرجع أختار أن أنام أو أن أذوب في مشهد غزل. وأحيانا أن أفتح قلبي لحديث متعب حتى من نفسه وأحميه .. داخلي، يتركنا الليل مكشوفين، ولا يكشف لنا أبدا أسباب صمته .. وحتى صوت صمته، نفتح أذاننا .. الليل هائم ومشتعل، لكن الجو بارد والشارع أحبّ مطر الأمس والبلل يتركه أخف وأقرب لاحتمال أن تشرق من بين شقوقه القاسية وردة ناعمة، أعمدة الإنارة ضيوف شرف حين يحل الليل، على شرفهم امتدت الشوارع وأخمدت البيوت قناديلها تكريما للشموس الصغيرة التي تحملها فوق رؤوسها الطويلة. تعبت .. بإمكاني أن أثرثر أكثر، لكن الكلام من زمان ضاع!

الأحد، 5 يوليو 2015

رسالة #6





كانت تلبس معطفًا أسودًا أنيق، مثل تلك المعاطف السوداء التي أحلم دومًا بامتلاكها، وجهها لا يبدو واضحًا لي لكنني متأكدة من أنها كانت جميلة.. لأن المعطف كان جميلًا كفاية لينقل عدوى الجمال لكلّ ما حوله، التقت به قبل قرابة العشر الدقائق من بدء العرض المسرحي الموسيقي الذي اتفقا أن يحضرانه معًا، كانت ليلة شتاء دافئة.. غائمة، تصالحت بها مع قلبها الذي خرج لتوّه من حرب صغيرة، مشت إليه.. كان يتأمل لوحة إعلان العرض الممدودة بغرور على زجاج بوابات المسرح، لكنه كان يفكر بالأسئلة التي لطالما امتدت في روحه دونما جواب، لا يهم إعلان العرض، لا يهم كم فاتنة هي سماء الليلة، يرتاح لأنه يحمل معه المظلة.. رجل الاحتمالات غرق بما فيه الكفاية في المشاكل، لن تنال منه السحائب اليوم، لا يهم أي شيء، العرض الذي قرر أن يحضره معها لكنه لا يشعر بأي انجذاب تجاهه ولا حتى توق.. لا يهم، عشر دقائق تبقت.. لا يهم، هل يبدو وحيدًا؟ لكنه ليس كذلك.. وسيثبت للجموع الشامتة بأنه لن يحضر العرض وحيدًا، الجموع التي لم تلتفت إليه أصلًا.. لكنه ما زال سيثبت لهم، لأنه يحتاج أن يملك اجابة، معطى، أي شيء يثبت معرفته، لهذه الليلة فقط، .. ليس وحيدًا، وبيده مظلة.
كانت يداها نائمتان داخل المعطف، جيبان على كل جانب، مثل بيوت صغيرة.. أو ربما أعشاش، لأن يداها عشرة عصافير، كل خمسة في شجرة.. كل خمسة في أغنية، كل خمسة في حلم. دفء.. هذه المسافة إليه، وهي بعد لم تحدد أي شيء في حياتها هو، إنه ليس إلا شيء لم تحدده بعد، لماذا؟ فكرت كثيرًا من قبل، لكنه كان جميلًا وهو هكذا، له احتمالات هائلة.. وقرر أن لا يكون أي منها، مشت إليه.. ودار عن لوحة العرض إليها

- مرحبًا.. تبدو عجوزًا!
- مرحبًا... تبدين شابة وفاتنة
- عشر دقائق.. صحيح؟
- صحيح، هل تودين الدخول؟
- ندخل؟
- ...
- اوه! مطر!

زخات.. زخات..
هل كان ليتفادى أذى المطر؟ أم أذى دهشة الوجه الجميل بالمطر؟ ما كان ليتفادى.. انما ظل هائمًا لثوان، وعلى حين غرة همّ على روحه كل الأذى، أذى جميل.. ويشعر بهذا القلب التعِب.. لماذا لم تحضر مظلتك أنتَ الآخر؟ لكن القلب تساءل من جديد ولماذا لم ترفع مظلتك أيها الآخر؟ .. ثم أجابته يدها تسحبه لخطوة تحت المطر، خطوات وخطوات.. انها تضحك، ضحكة رنانة، تعيده لأيام لم يعشها إنما ابتدعها في ذاكرته، أيامًا هادئة ومسالمة، أيامًا ركضت بقلبه ولم يتعب، أيامًا يسافر إليها كلما حسّ بإلحاح الطفل داخله، خطوة تحت المطر، وضحكة رنانة.. ما الذي قد أيقظه كل هذا في القلب؟
لماذا لا يصمت كل شيء الآن، لكن كل شيء صمت، توقفت عن الضحك، لا شيء سوى المطر، سوى رنّة هطوله الخشنة والمريحة، كانت أمامه.. قريبين، كانت تنظر للأسفل، تشير للشارع بعينها وأصابعها كل خمسة عادوا لأعشاشهم داخل المعطف..

- انظر، حفلة نجوم..
- الشارع؟ .. هه، نعم حفل نجوم راقص

ثم ساد صمت لطيف، كلاهما يراقبان الاسفلت اللامع، حفلة النجوم، كل النجمات ترقص، لماذا لا يسعه أن يعود شيئًا صغيرًا هكذا مثل نجمة، ويرقص.. ربما في عينيها، أو على أطراف أصابعها المبللة والمختبئة في بيوتها.. المطر أيضًا صمت، أصبح هطوله رذاذًا لا يكاد يحس..

- تمنى أمنية..
- أمنية! حسنًا.. أن أعود شابًا، أن أعود لعشر سنوات على الأقل
- أمنية.. ممكن تحققها، هيا
- وأختطفك، أن أعود عشر سنوات ويبدو لائقًا أن أختطفك، أما الآن أنا عجوز جدًا

ضحكتها رنانة، لكن أكثر هدوءًا هذه المرة

- لا أحتاج أن تختطفني، المسافة بيننا هكذا آمنة، لا تحتاج مسافة أقل.. أظن بأن الأمور كانت لتختلف لو أن المسافة أقل، كنت سأحاول أكثر، لكن الآن وبهذه المسافة الآمنة يمكنني أن أبقى كما أنا، بتعددي أو بوضوحي لا أدري، أحب المسافة بيننا، لست عجوزًا بشدة، ليس بعد
- دوركِ، تمنّي أمنية..
- سلامًا، بعد هذه الحرب الصغيرة التي مرّ بها قلبي
- .. هل يرضى بالورد؟
- يموت سريعًا عندي..، اوه! لقد بدأ العرض منذ مدة هيا، كفى مطرًا

سحبته بعيدًا، خطوات عن المطر، خطوات إلى المسرح.

ثم بعد نصف ساعة تقريبًا، رأيتهما يخرجان من قاعة العرض، مغموران بالضحك.. لا يبدو أنهما طُردا، من الواضح أن العرض لم يعجب أيًا منهما، ما زلت أحسدها على معطفها الفاتن وهالة الدهشة التي تغطيها، كنت أنتظر أن يقتربا أكثر لأفهم لمَ خرجا، ثم اقتربا.. وكانت تضحك

- يا إلهي! هل فهمت شيئًا؟
- تبًا انه عرض سيء ومزعج للغاية!

ثم بدأ يقلد صوتًا أوبراليًا.. كان حادًا، لكنه أتقن النبرة والنغمة، وتبعته هي الأخرى.. وهكذا يقلدان ما شاهداه بطريقة مضحكة..

- أظنني فهمت جزءًا من المسرحية
- أرجوكِ، كدت أنتحر.. من يملك حنجرة كهذه!
- أظن بأن البطلة وحسب ما فهمته من إيماءاتها وغناءها، الذي لم يكن سيئًا للغاية على فكرة، بأنها متزوجة وتتوسل للشاب أن يبتعد رغم أنها لا تريده أن يبتعد، وأنها ترغب به بشدة.. لكنها لا تستطيع المجازفة بزوجها الثري والحياة المترفة ىالمذهلة التي وفرها لها من أجل مشرد وقعت في حبه
- مشرد! لا بل العكس، الشاب متزوج وهي ليست سوى مومسة تحاول الوصول إليه.. وعلى ما يبدو حبًا به، أظنها تعدت مرحلة الطمع بثروته أو بما يملك، لهذا بدت حزينة لأنه متزوج ولن يخاطر بزواجه من أجلها، من أجل مجرد مومسة
- لماذا مومسة! يا إلهي.. لا، تحليلك مؤذي، أظن بأن فكرتي مقنعة أكثر!
- مقنعة أكثر؟؟ بحقك.. كيف تقع امرأة متزوجة بثري بحب مشرد؟ هل رأته بالشارع يشحذ الطعام مثلا وعطفت عليه ووقعت بحبه؟ هل بدى لها متسخًا وأرادت أن تنظفه من تعب الدنيا وقذارتها بقلبها الواسع؟ وتواعدا في مقعد حديقة ما يحدثها عن أحزانها ويبث شكواه؟ هل بدى ممكنًا أن الحل المثالي للهروب من مشاكل زواجها هو الارتماء في أحضان مشرد؟؟ مقنعة أكثر؟؟
- حسنًا! لقد افترضت أنها ربما التقت به في مكان لا أدري، ربما حفلة.. كلاسيكية ولطيفة، بدا فيها نظيفًا ووسيما، ثم اكتشفت حقيقة كونه مشردًا
- أرجوكِ.. لا تغامري بخيالك وتسرقي حقوق الكاتب الفكرية، لقد ابتدعتِ مسارًا آخر كليًا، مغارة في بطن مغارة، وما سبب وجوده في حفل كلاسيكي وهو مشرد؟ لا.. ليس ممكنًا، إنما تحليلي أشد تطبيقًا للواقعية وأشد تصديقًا أن يهرب رجلٌ من مشاكله الزوجية لنسوة أخريات أيا كنّ، وافترضت بأنها مومسة لأنها بدت كذلك..
- هل ترى بأن نعود للداخل مرة أخرى لنكتشف الحقيقة
- مستحيل!!!

ثم انفجرا ضحكًا...

سأحاول اللحاق بهما إلى المقهى القريب، لكنني أشعر بالنعاس.. سأخلد للنوم، علّني أحلم بخطويتهما التالية.. المطر توقف، يمشيان بمحاذاة بعض، بصمت.. يخطوان للبعد، أحببت صدى خطويتهما.. أم أنني أحلم، أغفو... أنام

نمت طويلًا، كانت الساعة السابعة ودقيقة، الحادي عشر من أكتوبر.. استيقظت للتو وفاتني أن أتبعهما، أشعر بحزن ثقيل.. أردت أن أعرف ما هي الحرب الصغيرة التي تكلمت عنها؟ وعن ماذا تحدثا.. هل خلعت معطفها الأسود؟ لابد وأن المقهى كان دافئًا، هل مست عصافيرها العشرة قُبب يديه، هل تصادما على غفلة، .. هل تكلمت عن كل ما أرادت أن تتكلم عنه، حتى الأشياء المقلقة والمتعبة؟، انه يعرف أشياء كثيرة وهي تحب الانصات أبدًا، لابد وأنهما بقيا في الداخل لمدة طويلة، ألا تظن؟ ما الذي برأيك دار في الداخل؟ ماذا شربا؟ لابد وأنهما قررا أن يكملا الأمسية مشيًا في الشوارع التي تشبه الأغاني بعد مساء ماطر، ... أو معطفًا أسود أحلم باقتناءه ..


لي عينان متريثتان – مو متأكدة منهم نحويًا تبًا!- ، ونبرة صوت هادئة، وشيء ما يعتمل داخل هذا القلب، شيء ما مطمور، يسبب لي تعبًا لكنني لا أفهمه، شيء يشبه أن تشعر بظلال ما تسير بجانبك وخلفك بينما أنت منهمك بخطواتك، ثم حين تلتفت .. يبدو أن الظلال غابت وأكلتها الشمس كلها، الظلال التي تحدوك لكنك لست في مداها، ربما يصيبني الجنون، ربما كمّ هذه العلوم المملة يصيب عاطفتي بمقتل، ربما هذا ما يشبهه الأمر .. حين لا يبقى فيك غير عقلك، عقلك الذي حين تلمح وردة بادية من صدع في جدار يعلل الأمر بأن الجدار هش وفراغاته واسعة ومهيبة، لا بأن الشِعر حيّ والجمال حيّ، رغم أنني ما زالت تسرقني المشاهد التي لطالما سرقتني يوم كانت عاطفتي وحالميتي بخير، إنما صمتي الآن أمامها مشوشٌ جدًا، لا الصمت الذي هو لحرمِ الجمال، إنما صمت أنك ضِعت ثم وُجدت وهاك أقبلت ثم نسيت لماذا أنت هنا، أصبح مشوشًا جدًا ان أقف أمام منظر او مشهد أحبه، لابد وأن يهدأ كل شيء من تلقاء نفسه ويختفي الآخرون حتى يتسنى لي أن أتذكر وأستعيد دهشاتي الأولى، لأنه على ما يبدو فقدت قدرتي على أن أهيّئ الحول كله لي أنا وما أحب


لماذا لا أكمل ما أكتبه إليك؟ ولماذا لا يأتيني الكلام مثلما يأتيك؟ ولماذا أبتدأ بسطر وأنتهي بعناوين أخرى لا تتشابه.. أنا السيئة في تسمية الشوارع والنصوص والأرواح بعناوينها..، لماذا لا يمكننا أن نلتقي ولماذا ليس سهلًا ان نتمشى معًا في الشوارع هنا، مثلما تمشيتُ معك كثيرًا في نصوصي.. 

هل تذكر الاقتباس الذي تركته مرة لك آخر رسالة ما، اقتباس من حوار لفيلم –فيلم لم أشاهده أصلًا-، حيث آخر الحوار يجيب البطل العجوز:

 "You are the only part of my life I haven't figured out yet"*

بقدر ما تبدو مؤلمة للوهلة الأولى، إلّا أنها مدهشة .. وعميقٌ مدى الجمال فيها، ربما يشبهني البطل العجوز، ربما أقتبس قوله وأنا أصفك، أنك أنت الجزء الذي لم أحدده بعد في حياتي، الجزء الذي أعرف أنه لن يتكرر، الجزء الذي أعرف أنه لا يظهر هكذا عرضًا وغالبًا في حياة أي شخص عادي، إنما جزء يحدث لأناس قليلين.. جزء لا يحدث كثيرًا، وحين يحدث، فإنه يبقى، يبقى مهما انتهت حياة أولاك إليه، ومهما بدا أن الحياة تأخذهم وتشقلبهم وتُنضجهم وتفتتهم، يبقى .. حاضرًا، كما لو أنه كتب عليه الخلود في هذه الحياة القصيرة، لا يمكنك أن تحدث مرة اخرى لي، لا يمكنك أن تشبه حدوث أي أحد آخر، كل الآخرين .. أتوا، وأخذوا أسماؤهم، .. أخ،صديق،حبيب،أب،أخت،زميلة....، لكنك بقيت دون تسمية، لربما أنت المئة اسم، لربما أنت الأربعون ذراعًا ومئتين رأس، لربما أنت الأسماء كلها، لربما أنت الاسم الهجين أو الاسم الذي يقفز من تشكيل إلى آخر، ربما لم تكن أحد تلك الأسماء يومًا، لكنك بالتأكيد الجزء الذي بقي هكذا معلقًا مثل غيمة كما يقول العجوز، لا أعرف إن كانت ستمطر، ولا أعرف إن كانت ستمنع عني الشمس، لكنها غيمة ... مرة لها شكل ورق، ومرة لها شكل أرانب صغيرة، مرة وجه امرأة هائم، مرة وجه الأسد، الغيمة التي كانت موجودة طوال عمر طفولتي كلما رفعت رأسي واشتهيت أن اخمن شكلًا، الغيمة التي هي بمثابة صديق روحي، الذي هو ليس حبيبًا تمامًا وليس صديقًا تمامًا، إنما شيئًا ما زلت أحبه.. بغموضه، بماهيته التي لا تتضح أبدًا... الوجود الذي تارة أرجع معه طفلة ثم صبية ثم امرأة تخلت عن مأزق كتب الشِعر والأدب، إنه فاتنٌ أن تبقى، الجزء الذي سيبقى، مهما فعلت بي الحياة، مع أنه ليس عادلٌ .. أنني ربما أكون الجزء الذي تكرر كثيرًا في حياتك

لماذا تعاقب الآخرين على صمتهم؟ لماذا ترغمهم أن يكونوا عبيدًا للكلام؟ لماذا لا تتأنى .. لماذا لا تؤمن أن الكلام داخلهم أوسع من الذي تطمح أن تراه، لكن أعرف.. رسالة مقروءة أبهى وأجمل من رسالة أُعدت لكنها لن تأتي، ولماذا لا أنام الان؟ لماذا أصر على أن أمنح للكلام سلطته؟ لطالما كنا متخاصمين .. لكنني الآن سأنتزعه، وسأريه من هو عبد الآخر!

أين ذهبوا فيما بعد أولئك الذين استأجروهم ليسجلوا الخلفية الضاحكة في المسلسلات الكوميدية، هل ما زالوا يسمعون صدى ضحكاتهم، هل يبدو ممكنًا أن يستأجروا هم ضحكاتهم تلك للمدى التعيس من أيامهم؟ .. لابد وأن أدع لهم ضحكاتهم وأخلد للنوم... 
حسنًا، ألا تعتقد بأنها نسيت معطفها الاسود الانيق في مكان ما؟


______________________________________________________________________
* فيلم: Mr. Morgan's last love
الاقتباس كاملًا