الأربعاء، 30 ديسمبر 2015

قائمة سماح

.
.
.

أسمح لي، 
بأن أكون عشوائية ومملّة وقاسية
هادئة ومتحاشية، وقليلة الكلام..
عديمة صبرٍ وبلا انتماءٍ أو أرضٍ ثابتة.
أسمح لي بأن أبكي على مشهدٍ لا يبكي
عليه الآخرون..
لأنه يكفيني أن أطرد البحر من عينيّ،
ولأنني أملكني أكثر مما يملكني الآخرون.
أسمح لي بأن أكتب بخطٍ سيىء كلامًا بلا معنى،
وأن لا أقع بالحب إلا مع شخصٍ ابتدعته
وأنا أسمع أغنية عاطفية.
أسمح لي بتبديل الأماكن،
والحزن على يومٍ لم يبدو فيه كحلي جميلًا.
أسمح لي بأن أكتفي بالسطح دون العمق،
وأن أكذب أكذب.. أكذب على نفسي.
أسمح لي بالسخافات،
وبالغضب من السخافات،
ومنك.. ومن العالم..
ومن لحظةٍ لا تبادلني فيها الكلمات مشاعري
الصديقة ولا تأتي لتكسر حلقة صمتي.
أسمح لي بأن لا أشرح لأحدٍ كيف ضاع وقتي،
وأن لا أبدو مختلفة عن أحدٍ لو شئت،
أو أن لا أشبه أحدًا لو استطعت.
أسمح لي بأن أبقى الشيطان الذي آثر
أن يبقي على ملائكيته، لأن سوءه يخصه،
لأنه شيطان مختلف ربما، لا أدري!
تبًا... وسأسمح لي الآن بأن أشاهد فيلمًا 
أو أحلم.


*الرابع والعشرون/ديسمبر/٢٠١٤*


الثلاثاء، 25 أغسطس 2015

سِكِت الكلام ..



أريد أن أكتب، كثيرا ما أتيحت لي الفرص، لكن محبرتي نائمة .. أو أنني أصر على أن أصمت بدل أن أكتب، وأن أرقص بدل من أن أحرك صوتي، لا أملك إيقاعا جميلا وكلماتي فرت من حجرة السلام إلى ما وراء التعب، 
أُكمل في داخلي مقاطع من قصائد لا أعرف أصحابها، وأتمشى مع ما يضيع من أفكار في يوم بارد، افتح لي الباب .. حين يشتد علي الليل ولا أعود بأشياء معي ولي، افتح لي عينيك، ويديك .. والأغاني التي تحمي من الدمع أو تتركه يذرف على عشب القلب فأخضر .. أو ربما أغرق. تزرعنا العاطفة في التفاصيل وقليل الكلام ورقيق الهمس ونعومة الخطى، تزرعنا في تلاويح تود أن تعود عناقاتٍ وكلمات تتمنى لو ترجع قبلا دافئة. أعدّ ما تبقى لي من وقت كي أتقلب بطمأنينة على فكرة وأخرى، لا يهمني أن أعود، لأنني حين أرجع أختار أن أنام أو أن أذوب في مشهد غزل. وأحيانا أن أفتح قلبي لحديث متعب حتى من نفسه وأحميه .. داخلي، يتركنا الليل مكشوفين، ولا يكشف لنا أبدا أسباب صمته .. وحتى صوت صمته، نفتح أذاننا .. الليل هائم ومشتعل، لكن الجو بارد والشارع أحبّ مطر الأمس والبلل يتركه أخف وأقرب لاحتمال أن تشرق من بين شقوقه القاسية وردة ناعمة، أعمدة الإنارة ضيوف شرف حين يحل الليل، على شرفهم امتدت الشوارع وأخمدت البيوت قناديلها تكريما للشموس الصغيرة التي تحملها فوق رؤوسها الطويلة. تعبت .. بإمكاني أن أثرثر أكثر، لكن الكلام من زمان ضاع!

الأحد، 5 يوليو 2015

رسالة #6





كانت تلبس معطفًا أسودًا أنيق، مثل تلك المعاطف السوداء التي أحلم دومًا بامتلاكها، وجهها لا يبدو واضحًا لي لكنني متأكدة من أنها كانت جميلة.. لأن المعطف كان جميلًا كفاية لينقل عدوى الجمال لكلّ ما حوله، التقت به قبل قرابة العشر الدقائق من بدء العرض المسرحي الموسيقي الذي اتفقا أن يحضرانه معًا، كانت ليلة شتاء دافئة.. غائمة، تصالحت بها مع قلبها الذي خرج لتوّه من حرب صغيرة، مشت إليه.. كان يتأمل لوحة إعلان العرض الممدودة بغرور على زجاج بوابات المسرح، لكنه كان يفكر بالأسئلة التي لطالما امتدت في روحه دونما جواب، لا يهم إعلان العرض، لا يهم كم فاتنة هي سماء الليلة، يرتاح لأنه يحمل معه المظلة.. رجل الاحتمالات غرق بما فيه الكفاية في المشاكل، لن تنال منه السحائب اليوم، لا يهم أي شيء، العرض الذي قرر أن يحضره معها لكنه لا يشعر بأي انجذاب تجاهه ولا حتى توق.. لا يهم، عشر دقائق تبقت.. لا يهم، هل يبدو وحيدًا؟ لكنه ليس كذلك.. وسيثبت للجموع الشامتة بأنه لن يحضر العرض وحيدًا، الجموع التي لم تلتفت إليه أصلًا.. لكنه ما زال سيثبت لهم، لأنه يحتاج أن يملك اجابة، معطى، أي شيء يثبت معرفته، لهذه الليلة فقط، .. ليس وحيدًا، وبيده مظلة.
كانت يداها نائمتان داخل المعطف، جيبان على كل جانب، مثل بيوت صغيرة.. أو ربما أعشاش، لأن يداها عشرة عصافير، كل خمسة في شجرة.. كل خمسة في أغنية، كل خمسة في حلم. دفء.. هذه المسافة إليه، وهي بعد لم تحدد أي شيء في حياتها هو، إنه ليس إلا شيء لم تحدده بعد، لماذا؟ فكرت كثيرًا من قبل، لكنه كان جميلًا وهو هكذا، له احتمالات هائلة.. وقرر أن لا يكون أي منها، مشت إليه.. ودار عن لوحة العرض إليها

- مرحبًا.. تبدو عجوزًا!
- مرحبًا... تبدين شابة وفاتنة
- عشر دقائق.. صحيح؟
- صحيح، هل تودين الدخول؟
- ندخل؟
- ...
- اوه! مطر!

زخات.. زخات..
هل كان ليتفادى أذى المطر؟ أم أذى دهشة الوجه الجميل بالمطر؟ ما كان ليتفادى.. انما ظل هائمًا لثوان، وعلى حين غرة همّ على روحه كل الأذى، أذى جميل.. ويشعر بهذا القلب التعِب.. لماذا لم تحضر مظلتك أنتَ الآخر؟ لكن القلب تساءل من جديد ولماذا لم ترفع مظلتك أيها الآخر؟ .. ثم أجابته يدها تسحبه لخطوة تحت المطر، خطوات وخطوات.. انها تضحك، ضحكة رنانة، تعيده لأيام لم يعشها إنما ابتدعها في ذاكرته، أيامًا هادئة ومسالمة، أيامًا ركضت بقلبه ولم يتعب، أيامًا يسافر إليها كلما حسّ بإلحاح الطفل داخله، خطوة تحت المطر، وضحكة رنانة.. ما الذي قد أيقظه كل هذا في القلب؟
لماذا لا يصمت كل شيء الآن، لكن كل شيء صمت، توقفت عن الضحك، لا شيء سوى المطر، سوى رنّة هطوله الخشنة والمريحة، كانت أمامه.. قريبين، كانت تنظر للأسفل، تشير للشارع بعينها وأصابعها كل خمسة عادوا لأعشاشهم داخل المعطف..

- انظر، حفلة نجوم..
- الشارع؟ .. هه، نعم حفل نجوم راقص

ثم ساد صمت لطيف، كلاهما يراقبان الاسفلت اللامع، حفلة النجوم، كل النجمات ترقص، لماذا لا يسعه أن يعود شيئًا صغيرًا هكذا مثل نجمة، ويرقص.. ربما في عينيها، أو على أطراف أصابعها المبللة والمختبئة في بيوتها.. المطر أيضًا صمت، أصبح هطوله رذاذًا لا يكاد يحس..

- تمنى أمنية..
- أمنية! حسنًا.. أن أعود شابًا، أن أعود لعشر سنوات على الأقل
- أمنية.. ممكن تحققها، هيا
- وأختطفك، أن أعود عشر سنوات ويبدو لائقًا أن أختطفك، أما الآن أنا عجوز جدًا

ضحكتها رنانة، لكن أكثر هدوءًا هذه المرة

- لا أحتاج أن تختطفني، المسافة بيننا هكذا آمنة، لا تحتاج مسافة أقل.. أظن بأن الأمور كانت لتختلف لو أن المسافة أقل، كنت سأحاول أكثر، لكن الآن وبهذه المسافة الآمنة يمكنني أن أبقى كما أنا، بتعددي أو بوضوحي لا أدري، أحب المسافة بيننا، لست عجوزًا بشدة، ليس بعد
- دوركِ، تمنّي أمنية..
- سلامًا، بعد هذه الحرب الصغيرة التي مرّ بها قلبي
- .. هل يرضى بالورد؟
- يموت سريعًا عندي..، اوه! لقد بدأ العرض منذ مدة هيا، كفى مطرًا

سحبته بعيدًا، خطوات عن المطر، خطوات إلى المسرح.

ثم بعد نصف ساعة تقريبًا، رأيتهما يخرجان من قاعة العرض، مغموران بالضحك.. لا يبدو أنهما طُردا، من الواضح أن العرض لم يعجب أيًا منهما، ما زلت أحسدها على معطفها الفاتن وهالة الدهشة التي تغطيها، كنت أنتظر أن يقتربا أكثر لأفهم لمَ خرجا، ثم اقتربا.. وكانت تضحك

- يا إلهي! هل فهمت شيئًا؟
- تبًا انه عرض سيء ومزعج للغاية!

ثم بدأ يقلد صوتًا أوبراليًا.. كان حادًا، لكنه أتقن النبرة والنغمة، وتبعته هي الأخرى.. وهكذا يقلدان ما شاهداه بطريقة مضحكة..

- أظنني فهمت جزءًا من المسرحية
- أرجوكِ، كدت أنتحر.. من يملك حنجرة كهذه!
- أظن بأن البطلة وحسب ما فهمته من إيماءاتها وغناءها، الذي لم يكن سيئًا للغاية على فكرة، بأنها متزوجة وتتوسل للشاب أن يبتعد رغم أنها لا تريده أن يبتعد، وأنها ترغب به بشدة.. لكنها لا تستطيع المجازفة بزوجها الثري والحياة المترفة ىالمذهلة التي وفرها لها من أجل مشرد وقعت في حبه
- مشرد! لا بل العكس، الشاب متزوج وهي ليست سوى مومسة تحاول الوصول إليه.. وعلى ما يبدو حبًا به، أظنها تعدت مرحلة الطمع بثروته أو بما يملك، لهذا بدت حزينة لأنه متزوج ولن يخاطر بزواجه من أجلها، من أجل مجرد مومسة
- لماذا مومسة! يا إلهي.. لا، تحليلك مؤذي، أظن بأن فكرتي مقنعة أكثر!
- مقنعة أكثر؟؟ بحقك.. كيف تقع امرأة متزوجة بثري بحب مشرد؟ هل رأته بالشارع يشحذ الطعام مثلا وعطفت عليه ووقعت بحبه؟ هل بدى لها متسخًا وأرادت أن تنظفه من تعب الدنيا وقذارتها بقلبها الواسع؟ وتواعدا في مقعد حديقة ما يحدثها عن أحزانها ويبث شكواه؟ هل بدى ممكنًا أن الحل المثالي للهروب من مشاكل زواجها هو الارتماء في أحضان مشرد؟؟ مقنعة أكثر؟؟
- حسنًا! لقد افترضت أنها ربما التقت به في مكان لا أدري، ربما حفلة.. كلاسيكية ولطيفة، بدا فيها نظيفًا ووسيما، ثم اكتشفت حقيقة كونه مشردًا
- أرجوكِ.. لا تغامري بخيالك وتسرقي حقوق الكاتب الفكرية، لقد ابتدعتِ مسارًا آخر كليًا، مغارة في بطن مغارة، وما سبب وجوده في حفل كلاسيكي وهو مشرد؟ لا.. ليس ممكنًا، إنما تحليلي أشد تطبيقًا للواقعية وأشد تصديقًا أن يهرب رجلٌ من مشاكله الزوجية لنسوة أخريات أيا كنّ، وافترضت بأنها مومسة لأنها بدت كذلك..
- هل ترى بأن نعود للداخل مرة أخرى لنكتشف الحقيقة
- مستحيل!!!

ثم انفجرا ضحكًا...

سأحاول اللحاق بهما إلى المقهى القريب، لكنني أشعر بالنعاس.. سأخلد للنوم، علّني أحلم بخطويتهما التالية.. المطر توقف، يمشيان بمحاذاة بعض، بصمت.. يخطوان للبعد، أحببت صدى خطويتهما.. أم أنني أحلم، أغفو... أنام

نمت طويلًا، كانت الساعة السابعة ودقيقة، الحادي عشر من أكتوبر.. استيقظت للتو وفاتني أن أتبعهما، أشعر بحزن ثقيل.. أردت أن أعرف ما هي الحرب الصغيرة التي تكلمت عنها؟ وعن ماذا تحدثا.. هل خلعت معطفها الأسود؟ لابد وأن المقهى كان دافئًا، هل مست عصافيرها العشرة قُبب يديه، هل تصادما على غفلة، .. هل تكلمت عن كل ما أرادت أن تتكلم عنه، حتى الأشياء المقلقة والمتعبة؟، انه يعرف أشياء كثيرة وهي تحب الانصات أبدًا، لابد وأنهما بقيا في الداخل لمدة طويلة، ألا تظن؟ ما الذي برأيك دار في الداخل؟ ماذا شربا؟ لابد وأنهما قررا أن يكملا الأمسية مشيًا في الشوارع التي تشبه الأغاني بعد مساء ماطر، ... أو معطفًا أسود أحلم باقتناءه ..


لي عينان متريثتان – مو متأكدة منهم نحويًا تبًا!- ، ونبرة صوت هادئة، وشيء ما يعتمل داخل هذا القلب، شيء ما مطمور، يسبب لي تعبًا لكنني لا أفهمه، شيء يشبه أن تشعر بظلال ما تسير بجانبك وخلفك بينما أنت منهمك بخطواتك، ثم حين تلتفت .. يبدو أن الظلال غابت وأكلتها الشمس كلها، الظلال التي تحدوك لكنك لست في مداها، ربما يصيبني الجنون، ربما كمّ هذه العلوم المملة يصيب عاطفتي بمقتل، ربما هذا ما يشبهه الأمر .. حين لا يبقى فيك غير عقلك، عقلك الذي حين تلمح وردة بادية من صدع في جدار يعلل الأمر بأن الجدار هش وفراغاته واسعة ومهيبة، لا بأن الشِعر حيّ والجمال حيّ، رغم أنني ما زالت تسرقني المشاهد التي لطالما سرقتني يوم كانت عاطفتي وحالميتي بخير، إنما صمتي الآن أمامها مشوشٌ جدًا، لا الصمت الذي هو لحرمِ الجمال، إنما صمت أنك ضِعت ثم وُجدت وهاك أقبلت ثم نسيت لماذا أنت هنا، أصبح مشوشًا جدًا ان أقف أمام منظر او مشهد أحبه، لابد وأن يهدأ كل شيء من تلقاء نفسه ويختفي الآخرون حتى يتسنى لي أن أتذكر وأستعيد دهشاتي الأولى، لأنه على ما يبدو فقدت قدرتي على أن أهيّئ الحول كله لي أنا وما أحب


لماذا لا أكمل ما أكتبه إليك؟ ولماذا لا يأتيني الكلام مثلما يأتيك؟ ولماذا أبتدأ بسطر وأنتهي بعناوين أخرى لا تتشابه.. أنا السيئة في تسمية الشوارع والنصوص والأرواح بعناوينها..، لماذا لا يمكننا أن نلتقي ولماذا ليس سهلًا ان نتمشى معًا في الشوارع هنا، مثلما تمشيتُ معك كثيرًا في نصوصي.. 

هل تذكر الاقتباس الذي تركته مرة لك آخر رسالة ما، اقتباس من حوار لفيلم –فيلم لم أشاهده أصلًا-، حيث آخر الحوار يجيب البطل العجوز:

 "You are the only part of my life I haven't figured out yet"*

بقدر ما تبدو مؤلمة للوهلة الأولى، إلّا أنها مدهشة .. وعميقٌ مدى الجمال فيها، ربما يشبهني البطل العجوز، ربما أقتبس قوله وأنا أصفك، أنك أنت الجزء الذي لم أحدده بعد في حياتي، الجزء الذي أعرف أنه لن يتكرر، الجزء الذي أعرف أنه لا يظهر هكذا عرضًا وغالبًا في حياة أي شخص عادي، إنما جزء يحدث لأناس قليلين.. جزء لا يحدث كثيرًا، وحين يحدث، فإنه يبقى، يبقى مهما انتهت حياة أولاك إليه، ومهما بدا أن الحياة تأخذهم وتشقلبهم وتُنضجهم وتفتتهم، يبقى .. حاضرًا، كما لو أنه كتب عليه الخلود في هذه الحياة القصيرة، لا يمكنك أن تحدث مرة اخرى لي، لا يمكنك أن تشبه حدوث أي أحد آخر، كل الآخرين .. أتوا، وأخذوا أسماؤهم، .. أخ،صديق،حبيب،أب،أخت،زميلة....، لكنك بقيت دون تسمية، لربما أنت المئة اسم، لربما أنت الأربعون ذراعًا ومئتين رأس، لربما أنت الأسماء كلها، لربما أنت الاسم الهجين أو الاسم الذي يقفز من تشكيل إلى آخر، ربما لم تكن أحد تلك الأسماء يومًا، لكنك بالتأكيد الجزء الذي بقي هكذا معلقًا مثل غيمة كما يقول العجوز، لا أعرف إن كانت ستمطر، ولا أعرف إن كانت ستمنع عني الشمس، لكنها غيمة ... مرة لها شكل ورق، ومرة لها شكل أرانب صغيرة، مرة وجه امرأة هائم، مرة وجه الأسد، الغيمة التي كانت موجودة طوال عمر طفولتي كلما رفعت رأسي واشتهيت أن اخمن شكلًا، الغيمة التي هي بمثابة صديق روحي، الذي هو ليس حبيبًا تمامًا وليس صديقًا تمامًا، إنما شيئًا ما زلت أحبه.. بغموضه، بماهيته التي لا تتضح أبدًا... الوجود الذي تارة أرجع معه طفلة ثم صبية ثم امرأة تخلت عن مأزق كتب الشِعر والأدب، إنه فاتنٌ أن تبقى، الجزء الذي سيبقى، مهما فعلت بي الحياة، مع أنه ليس عادلٌ .. أنني ربما أكون الجزء الذي تكرر كثيرًا في حياتك

لماذا تعاقب الآخرين على صمتهم؟ لماذا ترغمهم أن يكونوا عبيدًا للكلام؟ لماذا لا تتأنى .. لماذا لا تؤمن أن الكلام داخلهم أوسع من الذي تطمح أن تراه، لكن أعرف.. رسالة مقروءة أبهى وأجمل من رسالة أُعدت لكنها لن تأتي، ولماذا لا أنام الان؟ لماذا أصر على أن أمنح للكلام سلطته؟ لطالما كنا متخاصمين .. لكنني الآن سأنتزعه، وسأريه من هو عبد الآخر!

أين ذهبوا فيما بعد أولئك الذين استأجروهم ليسجلوا الخلفية الضاحكة في المسلسلات الكوميدية، هل ما زالوا يسمعون صدى ضحكاتهم، هل يبدو ممكنًا أن يستأجروا هم ضحكاتهم تلك للمدى التعيس من أيامهم؟ .. لابد وأن أدع لهم ضحكاتهم وأخلد للنوم... 
حسنًا، ألا تعتقد بأنها نسيت معطفها الاسود الانيق في مكان ما؟


______________________________________________________________________
* فيلم: Mr. Morgan's last love
الاقتباس كاملًا

الأحد، 28 يونيو 2015

في حديثِ اليدين ..




يبدو لي أنه من الممكن لأصابع اليد أن تصير عشرة، عشرون، ثلاثون... وإلى قدر ما تستطيعه من الإمساك بأيادٍ أخرى في عناق أوطان أو بيوت أو دواخل شوق أو طمأنينة خوف أو أمان من وقعة أو دواء جروح، يمكن للأصابع أن تغدو جسورًا.. واحد، اثنان، وربما ثلاثة تتحد وتلتمّ فوق القلم لتمد حبال الصوت كلمات فوق الورق أو الطاولات أو الحوائط أو ترسم على الجلد قلب حب وكلمة "أحبك" ليست لأحد في مكان لا يراه أحد حتى يمسحها الصابون، يمكن لليد ذات العشرة أصابع أن تصفق.. حتى لا يسمع أحدٌ صوت البكاء أو لا ينتبه لكلمة نابية اشتهى أحدهم قولها، يمكن لليد أن تحفظ الخرائط المتعلقة بالأحباب، مكان حبّة الخال أو آخر جرحٍ صغير، مقاس الخصر وملمس الجلد الناعم، لأصابع اليد سحر تهويدة ما قبل النوم حين تتمشى وتمسّد بدايات الشعر وتنتهي مغمورة ومعقود حولها أنهار صغيرة من الكستناء أو الليل أو الذهب، ... يمكن لليد أن تنبّه، أن تذكر، أن تمدّ السلام أو الشكر أو الـ "لا بأس"، يمكن للعشرة أصابع أن تلوح حتى تسترعي انتباه العشرين والثلاثين قبل الغرق، يمكن لليدين.. أن لا تفوز إلا بالبقاء لحالها، بهبة أن تكون دافع الخير أو الشر، العشرة التي تجبر.. أو تلك التي تحطّم، تلك التي تبتدع الموسيقا أو تلك التي تصمّ الأذان، تلك التي تضمّ أو تلك التي تبني الشوك، تلك التي تشرع للصلاة أو تلك التي تحفر نقبًا عن الشياطين. 


السبت، 8 مارس 2014

سوناتّا قبل النوم










ربما كانت فكرةً سيئةً، لماذا غادرتُ سريري .. لأكتب؟ إنه الشوق المسافر داخلي لأن تبحث يدي آخر الليل في مدارات اللغة عمّا يُناسبُ مقامها.. مقامها القصير، ربما.

عن جدولٍ صغير، عن ضفتين، عن عينٍ تغمض على الحب ما استطاعت حتى لا تفقدُ اشتهاءها للحياة، عن قلبٍ لم تُسجل المجرة باسمه .. ما كان واسعًا. لماذا؟ لماذا لا تنبت القصائد كما تنبت ورود النوّير شتاءً هكذا، دون أن تسأل الأرض ولا الشوارع إن كانت مبتهجة أم كئيبة كفاية؟ ولماذا لا تأتي الكلمات هادئةً وعذبة مثل ورود النوّير أيضًا حين تغمض بنعومة بتلاتها الصغيراتِ ليلًا.. وتنام، الورود تنامُ أيضًا، لمَ لا ينامُ هذا القلب إذن؟ أ لأنه لم يكن وردةً كما تخيل ..

أريدُ أن أمنح للذين نسوا قلوبهم .. دمي، وللذين ما زالوا يمشون ضفافًا آمنة، وللذين تعبوا .. أسباب تعبٍ حلوة. ربما كانت فكرةً سيئةً، لماذا قرأت كلامًا ناعمًا قبل أن أنام؟ لأكتب؟ إنه العجز اللطيف عن خلقِ مساحاتٍ من الجمال والسرّ، وإصرار الأصوات في الداخل على أن تنضمّ للكورال وتغني .. لأن لابد للعالم أن يؤمن بأن النشاز، صوتٌ جميلٌ أيضًا.

أغمض عينيك، وامشِ إلي .. تقول الفكرة، عزيزي .. هل أفكارك، لها نبرتي؟ هل تسمعها ثم تمشي، تمشي إلي؟. أريدُ أن أهديكَ أغنيةً قبل أن تُحبّني وقبل أن تضحك وقبل أن تبكي، أغنيةٌ قبل اللحظة، أغنيةٌ عالقةٌ بين ما سيمضي وما سيأتي، لكن ما كنت لتعرف عزيزي، من كان ليعرف اللحظة قبل أوانها ..

نقاط تلاقٍ أكثر، رؤوس تعارضٍ أقلّ .. لا أريد تشابهًا كبيرًا، أريد اختلافًا جميلًا.

هل تُخبر ساعة الحائط لحظاتها بأن خطواتهم جميلة؟ وهل تعرف عقاربها بأنها لا تملكُ سُمًّا؟ 

قبل أن تُحبني؟ لماذا أتأكد هكذا؟ كثيرًا .. بأنك ستُحبني؟ لماذا أنوي أن أُهديك أغنيةً قبل الحب؟ لماذا لا أهديكَ إياها الآن وحسب، هل ترى بأنه يجب أن أصرّ على فكرتي، قبل الحب؟ أم أنك ترغب بأن تسمعها الآن، قبل أن تحبني وبعد أن لم تحببني؟ الآن وفيما بعد وقبل قليل ومتى ما شئتُ .. لأنك لن تُسعف أماني القلب الصغيرة، وأن فكرة الحب، فكرة حبّي لم تخلق بعد فوضى بداخلك.

يقلقني أمر الذين لا يؤمنون بالله.. الذين يملكون عقولًا واسعةً وجميلة ثم لا يؤمنون بالله، وبأنهم .. لا، لم يأتوا صدفة، لماذا كان على العقل الجميل أن يتضح لخرابٍ ليس جميلًا هو الآخر؟ أريد أن أحبّهم بما فيه الكفاية، أريد أن أريهم الله، في القلب.

مقهىً مفتوح على صباحٍ أبيض، للحمائم السانحة على صدرِ السماء موسيقى جديدة، البنتُ التي تشربُ الفانيلا لاتيه تبتسم لانعكاس وجهها على نوافذ السيارات المارقة، كم كان لطيفًا أن ترحل الأشياء بوجهها وهي تبتسم، .. أمام المقهى، على الرصيفِ المقابل يقف عامود إنارة، إنه عامود إنارة، وكان بالإمكان أن يصبح رجلًا وسيمًا، يمشي إليها بلباقةٍ ويقطف من فمها القصائد وقوت الحمائم وانشراح الهواء، أن يمشي إليها ما دام الصباحُ أبيضًا وما من ليلٍ يستدعي قناديل الضوء وحكايات البال، عامود الإنارة يبقى عامود إنارةٍ في الرصيف المقابل للمقهى، وعليه تتزاحم سجلّاتٍ ودعاياتٍ وأخبار ٍوتساؤلات، كان بإمكانه أن لا يكذب أكثر ويمشي إليها بأناقةِ من سرقَ الليل في جيبهِ ومنح العالم هذا اليوم صباحه الأبيض، ... كانت السيارات تمرّ، ووجهها لم يعد يبتسم، إنها لا تراه على النوافذ المارقة، لقد أخذته الحمائم السانحة .. تعيد به ملامح أرضٍ بعيدة.

اللحظة تغادر، ويكبر عشب الماضي. النبرة حزينة، تعود لساعة المغرب، الشوارع تغرق بكآبةٍ زرقاءٍ داكنة، والسماء كما لو أن أحدهم نسي على وجهها بعض الورد والبرتقال ومع ذلك لم تنجُ من كآبتها، في طريقي للعودة .. كل شيء هادئٍ ومنسيّ كما اشتهى، كم عمر هذا العالم يا ترى؟ وكم هم أولئك الذين أحسّوا يومًا بمثل هذا الشعور الذي يشبه غرقًا بطيئًا في مثل هذه الساعة من الزمن؟ حيث لكل شيء رغم صمته نبرةً حزينة... ، كم عمرك أيها العالم؟ ولماذا أشعر فجأة بالحزن على كل الذين عاشوا ورحلوا منذ زمن مضى ومضى ومضى، لماذا أشعر بالحزن عليهم، لفكرة أنهم حزنوا يومًا؟ ولماذا تمرّ علي وجوههم وهي في حزنها كما في فيلم أبيضٍ وأسود، إنه يزيد بالي حزنًا والفكرة تورطًا أكبر بالألم والسقوط، .. حسنًا أيها الحولُ الهادئ، سأفرض عليكِ فوضاي وضجيجي، لماذا لا يسعك مثلي أن تختنق؟ لماذا تفقد أيها الهواء خفتّك؟ ولماذا يصير الأزرق ابن الأسود، لمَ لا يظل أزرقًا وحسب؟ ولمَ يسرقني الطريق من انتباهي أو أنه نسي أن يعيدني إليه؟ لماذا لا أحتسب الضياع الآن أمنًا ولماذا لا أخاطر ما دمت أبدو جميلةً اليوم؟ أسلّم على الضواحي التي تلبس السكون والزرع الذي صار أشدّ خضرةً من ذي قبل وأضواء الشوارع توزع عليه عيونها، أفكر بالشارع الذي لم يفكر يومًا بأن يصبح شارعًا، وباحتمال أن يقفز هاربٌ وسيم من مجرى الصرف الصحي على فمّ الرصيف، .. امنحني أيها النوم ساعاتك اللطيفة، اليقظة في مثل هذه الساعة والنبرة الحزينة والكآبة الزرقاء الداكنة .. رعبًا واسعًا، وأنا أحببت في اليقظة سلامي عليه ولقائي العاطفي بيده وضحكته. نسيتُ كوبي، لقد تذكرت .. لماذا ننسى أن نتذكر ولا نتذكر أن ننسى؟ لماذا لا تؤمّن للغياب سريرًا مريحًا؟ الحب يؤلم، لا .. ما يؤلم أكثر هو أصوات العصافير داخل بطني لحظة جوعٍ في غير محله.

عزيزي، إلى أين تؤدي سلالمك؟

قصيدة حب، تحت النخل .. هذا رومانسيّ لو فكرت بالأمر قليلًا. أخبّئ التعاويذ تحت لساني، عليك أن تُقبلني أولًا حتى تجرب السحر. إلى ماذا كنت لتتحول في ليلةٍ قمرية؟. اعبر أيها الماشي شارع قلبي وحاذر أن تدهسك نبضةٌ منفلتة .. أعرف كم هنّ مغرماتٌ بك. ليلًا حين تطوف تحت عواميد الإنارة .. غنّ لظلّك، الظلالُ تحب الأغنيات. العالم مليء بوسائل الاتصال .. أرسل لي إيميلًا *بتصرف.  لا أعطي للحرفِ بعدًا جديدًا ولا للقلبِ منأىً أو سفر، يا لعراء اللغة وأنا أحبك.

أنا طرفٌ مخلوع، قصّ على قلبي الحكايات علّني أصل للجذع الذي بدأت منه. افتح لي بابًا أرى من خلاله هيئتي الكاملة داخلك، أو داخل هذا العالم.


السبت، 18 يناير 2014

ما كان كلاما طيّبا ..





-


 
أعدّ داخل الروح مواقد للبرد ولصغار الفراشات داخلي،
الحنين ملعون والصبر يحتاج هو الآخر صبرا، صبرا جميلا
ولسوف يعيننا الرب على ما تصفون، أنا واحدة وأنت ألفٌ وجموع
في الدم في النص في العين وفي السهو وفي الارتباك الجميل،
كلّ الارتباك الجميل ..
يغيب عن العين ما لا يغيب عن القلب، ويظل في الروح ما لم يطُفِ الجسد
أسافر ولا آخذ معي كلمات مناسبة، عيناي بوصلتي، والعاشق دليله معان مسافرة في الأحداق
ما أنا بعاشقة، لكن يقال والله أنني في حالة عشق دائم .. مع الرحيل إلى تفصيلٍ
نسيه العالم
لكنه ظل آمنًا وجميل ..
ذرني، أو خذني

ما أقل أحلامنا قبل أن ننام، وما أشرسنا ونحن في اليقظة نحلم
يشتعل العالم، قلبي يرهف السمع، يعرف ..

يعرف أن العالم رغم قسوته ، الآن يبكي
"لكنني لم أحبّ يومًا كل هذا الدم"، ويبكي.
لا أريد للمعنى أن يفترق
ولا للكلام أن ينهب الأفكار شكلها ..
كنتُ أصدَق قبل أن أفتح فمي،
كنتُ أوسَع وأنا أعطيك ما في الروح من كلام .. على عيوني،
كان يجب أن تحفظ في الجيبِ معجمك.
عن حكيم ما أعطاني من كلامه سوى الخاتمة
خاتمة الدرس، لا التجربة ..
بكاء العظة، دون نشوة الخطأ، دون سلام التوبة
وعن يد مدت يدها للحب فانكسرت رذاذ ماء للورد والأفواه
الورد سيكبر، وقد يسدّ يومًا فم البندقية
لكن ما الذي سيسدّ فاها سيئًا؟ البندقية التي غطاها الورد؟
عن رأس مال إلى رقصة ثم انحنى منه الدم نهرا ومات
لكن الأغنية التي ما زالت ستدور، هي تعرف أنها لابد أن تدور
لأن الأغنية لا يهمها، ولأنه لابد من مفارقات عجيبة في الحياة
دمٌ مقابل موسيقى ..
عني أنا، أكتب بسوء لأنني فارغة وأحتاج أن تسعفني اللغة
عن اكتظاظ الكلام هنا عند أطراف يدي .. أصابعي
وعن الصمت الذي يبالغ في السبات
من يوقظ حضرته، قلت له أن لغتي مضروب رأسها بالحائط
وهرب .. هرب الشاعر بما تحمل أبياته من ذهب وأغاني
أسعفني أيها المارق في مسعاي، بأدب تقف أيها الجميل

وبأدب أسألك:
"ارحل .. دعني بسلام أحلم بغيرك"
ذاهبة أو باقية
لا يهم، ما زلت سأضحك متى ما رغبت
وليقل العالم قليلة أدب، وليقل مجنونة .. وإن كان كما يزعم جريئا
فليقل .. سعيدة!




الثلاثاء، 7 يناير 2014

مسافة الأسماء

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 مسافةٌ واسعة، داخلي مكسور. أريد أن أمدّ يدي فألمس يد غريبٍ من الطرف الآخر من العالم داخله مكسورٌ أيضا. أن أشرح له معنى أن تسمع صوت تكسر شيءٍ في داخلك، لا تسمعه واضحا، لكنك تسمعه بشكل مجازي كلما أغمضتَ عينيكَ لتنصت، شيءٌ هش .. له صوت الغياب والتعب، له برد أن تتأخر عن العودة وغبن أن تهرب قبل بداية المأساة.
 
أن أبتسم وأطلب منه أن نعد الغيم معًا أو أن أشير إلى غيمة بشكل عشوائي "ما شكلها؟ أظنها .. رأس فيل، أليس كذلك؟" أسأله، يرجع لي بابتسامة خبّأت التعب وأضحَت شُجاعة، لكنه لا يرد علي .. لأن لا غيم في السماء، مع ذلك يمسح الغيم السانح في عيني.
 
أخبره عن معاني أسمائنا وأسأله إن كان قد أعجبه معنى اسمي، "وأرجوك لا تقل بأنني مثل اسمي .. لطيفة وودودة" على ساعدهِ الأيمن كنت أشدّ، "الأسماء لعنة؟" أسأله أيضا، يصمت طويلا ثم يردف " أخبرني صديق لي وهو شاعر بالمناسبة، بأن الأسماء ليست سوى حيلة ظريفة." "حيلة؟ كيف؟" أعود لسؤاله بإلحاح أَحَبّه،  يجيب بثقة وظننته اقتبس كلامه من صديقه الشاعر "إنها خدعة بسيطة تحمّلنا أن نكون ما لسنا عليه أحيانا". وأكثر ما كان من ردي هو موافقتي لجوابه الحقيقي بشكل غريب "آه ذلك إذن يفسر سبب كرهي لاسمي أحيانا، أظنه يرغمني على أن أكون لطيفة .. مع أنني في معظم أحياني وحش، أضف على ذلك وحش مولّع بالشوكولاتة"، يبتسم "أظنها تلك الإضافة الأخيرة هي ما يجعلك وحشا لطيفا، مما يعيدك لنقطة البداية، لحقيقة أنك .. لستِ سوى اسمكِ"، "لست سوى اسمي؟ هذا قاسٍ قليلا أعتقد" أقول بتذمر ريثما أهذب خيوط شالي، يضحك .. "حسنًا، ربما أكثر من مجرد اسمكِ بقليل."
 
"الهواء بارد، أحب الهواء البارد، أحب المعاطف والملابس الثقيلة والخطى البطيئة التي تستحث دفئًا أو ربما بللًا مفاجئ .. " أقول وأنا تحت تأثير الرياح الباردة وهي تهرول فوق جلدي، فأنكمش مثلما تنكمش ورود صغيرة تحت رذاذ الماء. "الاكتناز والمبالغة في ارتداء الملابس متعة النساء في هذا الوقت من السنة .. الشتاء استغلال جيد لموضة المعاطف والفرو وكل الأنواع الغريبة من الثقل والانتفاخ". قال بسخرية، وكان لوجهه شقاوة مالت إليها ذكريات طفولتي، أضحك .. بشدة أضحك "لأننا نحب ذلك، وليس لأننا نحب الانتفاخ، بل إن للمعاطف إحساس ناعم، خصوصا تلك الجميلة والواسعة، إنها تغُني عاطفتنا وتلملم شتات حاجتنا لكتف أو لصدر نندس فيه خلال خطوات الصباح الباردة ولسعات الهواء مساء مثل قبل من ثلج، كما أنها أنيقة ونستطيع تحتها أن نخبئ الأجزاء التي نخجل منها من أجسادنا .." وضحكت، قال وعلى وجهه تطلع ابتسامة هادئة "تبدو أحزانكم أشد ألفة وسحرا بينما تنغمرون بداخلها مثل لآلئٍ خجولة." "وهذا أيضا .." علّقت، وقد بدت لي فكرة جيدة و رومانسية، فكرة الحزن النائم تحت المعاطف .. "هذا لطيف، ولا أقصد اسمي هنا .. لكن لن يبدو مناسبا أن أنغمر كل يوم تحت معطف وآخر" بسخافة أضفت.
 
ظلّ مبتسما .. للريح التي تهب من بينه وبيني، للبرد الذي يجعل المسافة دوما أقل .. ومدى التعب أحنّ، ثم في النهاية أطلَّ بتبسمه نحو وجهي وعليه، وابتسمت مع ابتسامته  تلك التي كم كانت هادئة ومنحتني سلاما أو تخيلت أنها فعلت، ابتسامة أن تشعر بما يتكسر داخلك .. ومع ذلك ما تزال حيا، تهرب منك لحظات وتجيء إليك أخرى، وأنت ما تزال أنت، متهاو داخلك وتشتهي أن تتهاوى أنت الآخر بكل ما فيك على أرض حنونة، وربما عينان دافئتان تقولان لك ببالغ اللطف:
احزن، أنا مهيأة لتعبك.