السبت، 8 مارس 2014

سوناتّا قبل النوم










ربما كانت فكرةً سيئةً، لماذا غادرتُ سريري .. لأكتب؟ إنه الشوق المسافر داخلي لأن تبحث يدي آخر الليل في مدارات اللغة عمّا يُناسبُ مقامها.. مقامها القصير، ربما.

عن جدولٍ صغير، عن ضفتين، عن عينٍ تغمض على الحب ما استطاعت حتى لا تفقدُ اشتهاءها للحياة، عن قلبٍ لم تُسجل المجرة باسمه .. ما كان واسعًا. لماذا؟ لماذا لا تنبت القصائد كما تنبت ورود النوّير شتاءً هكذا، دون أن تسأل الأرض ولا الشوارع إن كانت مبتهجة أم كئيبة كفاية؟ ولماذا لا تأتي الكلمات هادئةً وعذبة مثل ورود النوّير أيضًا حين تغمض بنعومة بتلاتها الصغيراتِ ليلًا.. وتنام، الورود تنامُ أيضًا، لمَ لا ينامُ هذا القلب إذن؟ أ لأنه لم يكن وردةً كما تخيل ..

أريدُ أن أمنح للذين نسوا قلوبهم .. دمي، وللذين ما زالوا يمشون ضفافًا آمنة، وللذين تعبوا .. أسباب تعبٍ حلوة. ربما كانت فكرةً سيئةً، لماذا قرأت كلامًا ناعمًا قبل أن أنام؟ لأكتب؟ إنه العجز اللطيف عن خلقِ مساحاتٍ من الجمال والسرّ، وإصرار الأصوات في الداخل على أن تنضمّ للكورال وتغني .. لأن لابد للعالم أن يؤمن بأن النشاز، صوتٌ جميلٌ أيضًا.

أغمض عينيك، وامشِ إلي .. تقول الفكرة، عزيزي .. هل أفكارك، لها نبرتي؟ هل تسمعها ثم تمشي، تمشي إلي؟. أريدُ أن أهديكَ أغنيةً قبل أن تُحبّني وقبل أن تضحك وقبل أن تبكي، أغنيةٌ قبل اللحظة، أغنيةٌ عالقةٌ بين ما سيمضي وما سيأتي، لكن ما كنت لتعرف عزيزي، من كان ليعرف اللحظة قبل أوانها ..

نقاط تلاقٍ أكثر، رؤوس تعارضٍ أقلّ .. لا أريد تشابهًا كبيرًا، أريد اختلافًا جميلًا.

هل تُخبر ساعة الحائط لحظاتها بأن خطواتهم جميلة؟ وهل تعرف عقاربها بأنها لا تملكُ سُمًّا؟ 

قبل أن تُحبني؟ لماذا أتأكد هكذا؟ كثيرًا .. بأنك ستُحبني؟ لماذا أنوي أن أُهديك أغنيةً قبل الحب؟ لماذا لا أهديكَ إياها الآن وحسب، هل ترى بأنه يجب أن أصرّ على فكرتي، قبل الحب؟ أم أنك ترغب بأن تسمعها الآن، قبل أن تحبني وبعد أن لم تحببني؟ الآن وفيما بعد وقبل قليل ومتى ما شئتُ .. لأنك لن تُسعف أماني القلب الصغيرة، وأن فكرة الحب، فكرة حبّي لم تخلق بعد فوضى بداخلك.

يقلقني أمر الذين لا يؤمنون بالله.. الذين يملكون عقولًا واسعةً وجميلة ثم لا يؤمنون بالله، وبأنهم .. لا، لم يأتوا صدفة، لماذا كان على العقل الجميل أن يتضح لخرابٍ ليس جميلًا هو الآخر؟ أريد أن أحبّهم بما فيه الكفاية، أريد أن أريهم الله، في القلب.

مقهىً مفتوح على صباحٍ أبيض، للحمائم السانحة على صدرِ السماء موسيقى جديدة، البنتُ التي تشربُ الفانيلا لاتيه تبتسم لانعكاس وجهها على نوافذ السيارات المارقة، كم كان لطيفًا أن ترحل الأشياء بوجهها وهي تبتسم، .. أمام المقهى، على الرصيفِ المقابل يقف عامود إنارة، إنه عامود إنارة، وكان بالإمكان أن يصبح رجلًا وسيمًا، يمشي إليها بلباقةٍ ويقطف من فمها القصائد وقوت الحمائم وانشراح الهواء، أن يمشي إليها ما دام الصباحُ أبيضًا وما من ليلٍ يستدعي قناديل الضوء وحكايات البال، عامود الإنارة يبقى عامود إنارةٍ في الرصيف المقابل للمقهى، وعليه تتزاحم سجلّاتٍ ودعاياتٍ وأخبار ٍوتساؤلات، كان بإمكانه أن لا يكذب أكثر ويمشي إليها بأناقةِ من سرقَ الليل في جيبهِ ومنح العالم هذا اليوم صباحه الأبيض، ... كانت السيارات تمرّ، ووجهها لم يعد يبتسم، إنها لا تراه على النوافذ المارقة، لقد أخذته الحمائم السانحة .. تعيد به ملامح أرضٍ بعيدة.

اللحظة تغادر، ويكبر عشب الماضي. النبرة حزينة، تعود لساعة المغرب، الشوارع تغرق بكآبةٍ زرقاءٍ داكنة، والسماء كما لو أن أحدهم نسي على وجهها بعض الورد والبرتقال ومع ذلك لم تنجُ من كآبتها، في طريقي للعودة .. كل شيء هادئٍ ومنسيّ كما اشتهى، كم عمر هذا العالم يا ترى؟ وكم هم أولئك الذين أحسّوا يومًا بمثل هذا الشعور الذي يشبه غرقًا بطيئًا في مثل هذه الساعة من الزمن؟ حيث لكل شيء رغم صمته نبرةً حزينة... ، كم عمرك أيها العالم؟ ولماذا أشعر فجأة بالحزن على كل الذين عاشوا ورحلوا منذ زمن مضى ومضى ومضى، لماذا أشعر بالحزن عليهم، لفكرة أنهم حزنوا يومًا؟ ولماذا تمرّ علي وجوههم وهي في حزنها كما في فيلم أبيضٍ وأسود، إنه يزيد بالي حزنًا والفكرة تورطًا أكبر بالألم والسقوط، .. حسنًا أيها الحولُ الهادئ، سأفرض عليكِ فوضاي وضجيجي، لماذا لا يسعك مثلي أن تختنق؟ لماذا تفقد أيها الهواء خفتّك؟ ولماذا يصير الأزرق ابن الأسود، لمَ لا يظل أزرقًا وحسب؟ ولمَ يسرقني الطريق من انتباهي أو أنه نسي أن يعيدني إليه؟ لماذا لا أحتسب الضياع الآن أمنًا ولماذا لا أخاطر ما دمت أبدو جميلةً اليوم؟ أسلّم على الضواحي التي تلبس السكون والزرع الذي صار أشدّ خضرةً من ذي قبل وأضواء الشوارع توزع عليه عيونها، أفكر بالشارع الذي لم يفكر يومًا بأن يصبح شارعًا، وباحتمال أن يقفز هاربٌ وسيم من مجرى الصرف الصحي على فمّ الرصيف، .. امنحني أيها النوم ساعاتك اللطيفة، اليقظة في مثل هذه الساعة والنبرة الحزينة والكآبة الزرقاء الداكنة .. رعبًا واسعًا، وأنا أحببت في اليقظة سلامي عليه ولقائي العاطفي بيده وضحكته. نسيتُ كوبي، لقد تذكرت .. لماذا ننسى أن نتذكر ولا نتذكر أن ننسى؟ لماذا لا تؤمّن للغياب سريرًا مريحًا؟ الحب يؤلم، لا .. ما يؤلم أكثر هو أصوات العصافير داخل بطني لحظة جوعٍ في غير محله.

عزيزي، إلى أين تؤدي سلالمك؟

قصيدة حب، تحت النخل .. هذا رومانسيّ لو فكرت بالأمر قليلًا. أخبّئ التعاويذ تحت لساني، عليك أن تُقبلني أولًا حتى تجرب السحر. إلى ماذا كنت لتتحول في ليلةٍ قمرية؟. اعبر أيها الماشي شارع قلبي وحاذر أن تدهسك نبضةٌ منفلتة .. أعرف كم هنّ مغرماتٌ بك. ليلًا حين تطوف تحت عواميد الإنارة .. غنّ لظلّك، الظلالُ تحب الأغنيات. العالم مليء بوسائل الاتصال .. أرسل لي إيميلًا *بتصرف.  لا أعطي للحرفِ بعدًا جديدًا ولا للقلبِ منأىً أو سفر، يا لعراء اللغة وأنا أحبك.

أنا طرفٌ مخلوع، قصّ على قلبي الحكايات علّني أصل للجذع الذي بدأت منه. افتح لي بابًا أرى من خلاله هيئتي الكاملة داخلك، أو داخل هذا العالم.


السبت، 18 يناير 2014

ما كان كلاما طيّبا ..





-


 
أعدّ داخل الروح مواقد للبرد ولصغار الفراشات داخلي،
الحنين ملعون والصبر يحتاج هو الآخر صبرا، صبرا جميلا
ولسوف يعيننا الرب على ما تصفون، أنا واحدة وأنت ألفٌ وجموع
في الدم في النص في العين وفي السهو وفي الارتباك الجميل،
كلّ الارتباك الجميل ..
يغيب عن العين ما لا يغيب عن القلب، ويظل في الروح ما لم يطُفِ الجسد
أسافر ولا آخذ معي كلمات مناسبة، عيناي بوصلتي، والعاشق دليله معان مسافرة في الأحداق
ما أنا بعاشقة، لكن يقال والله أنني في حالة عشق دائم .. مع الرحيل إلى تفصيلٍ
نسيه العالم
لكنه ظل آمنًا وجميل ..
ذرني، أو خذني

ما أقل أحلامنا قبل أن ننام، وما أشرسنا ونحن في اليقظة نحلم
يشتعل العالم، قلبي يرهف السمع، يعرف ..

يعرف أن العالم رغم قسوته ، الآن يبكي
"لكنني لم أحبّ يومًا كل هذا الدم"، ويبكي.
لا أريد للمعنى أن يفترق
ولا للكلام أن ينهب الأفكار شكلها ..
كنتُ أصدَق قبل أن أفتح فمي،
كنتُ أوسَع وأنا أعطيك ما في الروح من كلام .. على عيوني،
كان يجب أن تحفظ في الجيبِ معجمك.
عن حكيم ما أعطاني من كلامه سوى الخاتمة
خاتمة الدرس، لا التجربة ..
بكاء العظة، دون نشوة الخطأ، دون سلام التوبة
وعن يد مدت يدها للحب فانكسرت رذاذ ماء للورد والأفواه
الورد سيكبر، وقد يسدّ يومًا فم البندقية
لكن ما الذي سيسدّ فاها سيئًا؟ البندقية التي غطاها الورد؟
عن رأس مال إلى رقصة ثم انحنى منه الدم نهرا ومات
لكن الأغنية التي ما زالت ستدور، هي تعرف أنها لابد أن تدور
لأن الأغنية لا يهمها، ولأنه لابد من مفارقات عجيبة في الحياة
دمٌ مقابل موسيقى ..
عني أنا، أكتب بسوء لأنني فارغة وأحتاج أن تسعفني اللغة
عن اكتظاظ الكلام هنا عند أطراف يدي .. أصابعي
وعن الصمت الذي يبالغ في السبات
من يوقظ حضرته، قلت له أن لغتي مضروب رأسها بالحائط
وهرب .. هرب الشاعر بما تحمل أبياته من ذهب وأغاني
أسعفني أيها المارق في مسعاي، بأدب تقف أيها الجميل

وبأدب أسألك:
"ارحل .. دعني بسلام أحلم بغيرك"
ذاهبة أو باقية
لا يهم، ما زلت سأضحك متى ما رغبت
وليقل العالم قليلة أدب، وليقل مجنونة .. وإن كان كما يزعم جريئا
فليقل .. سعيدة!




الثلاثاء، 7 يناير 2014

مسافة الأسماء

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 مسافةٌ واسعة، داخلي مكسور. أريد أن أمدّ يدي فألمس يد غريبٍ من الطرف الآخر من العالم داخله مكسورٌ أيضا. أن أشرح له معنى أن تسمع صوت تكسر شيءٍ في داخلك، لا تسمعه واضحا، لكنك تسمعه بشكل مجازي كلما أغمضتَ عينيكَ لتنصت، شيءٌ هش .. له صوت الغياب والتعب، له برد أن تتأخر عن العودة وغبن أن تهرب قبل بداية المأساة.
 
أن أبتسم وأطلب منه أن نعد الغيم معًا أو أن أشير إلى غيمة بشكل عشوائي "ما شكلها؟ أظنها .. رأس فيل، أليس كذلك؟" أسأله، يرجع لي بابتسامة خبّأت التعب وأضحَت شُجاعة، لكنه لا يرد علي .. لأن لا غيم في السماء، مع ذلك يمسح الغيم السانح في عيني.
 
أخبره عن معاني أسمائنا وأسأله إن كان قد أعجبه معنى اسمي، "وأرجوك لا تقل بأنني مثل اسمي .. لطيفة وودودة" على ساعدهِ الأيمن كنت أشدّ، "الأسماء لعنة؟" أسأله أيضا، يصمت طويلا ثم يردف " أخبرني صديق لي وهو شاعر بالمناسبة، بأن الأسماء ليست سوى حيلة ظريفة." "حيلة؟ كيف؟" أعود لسؤاله بإلحاح أَحَبّه،  يجيب بثقة وظننته اقتبس كلامه من صديقه الشاعر "إنها خدعة بسيطة تحمّلنا أن نكون ما لسنا عليه أحيانا". وأكثر ما كان من ردي هو موافقتي لجوابه الحقيقي بشكل غريب "آه ذلك إذن يفسر سبب كرهي لاسمي أحيانا، أظنه يرغمني على أن أكون لطيفة .. مع أنني في معظم أحياني وحش، أضف على ذلك وحش مولّع بالشوكولاتة"، يبتسم "أظنها تلك الإضافة الأخيرة هي ما يجعلك وحشا لطيفا، مما يعيدك لنقطة البداية، لحقيقة أنك .. لستِ سوى اسمكِ"، "لست سوى اسمي؟ هذا قاسٍ قليلا أعتقد" أقول بتذمر ريثما أهذب خيوط شالي، يضحك .. "حسنًا، ربما أكثر من مجرد اسمكِ بقليل."
 
"الهواء بارد، أحب الهواء البارد، أحب المعاطف والملابس الثقيلة والخطى البطيئة التي تستحث دفئًا أو ربما بللًا مفاجئ .. " أقول وأنا تحت تأثير الرياح الباردة وهي تهرول فوق جلدي، فأنكمش مثلما تنكمش ورود صغيرة تحت رذاذ الماء. "الاكتناز والمبالغة في ارتداء الملابس متعة النساء في هذا الوقت من السنة .. الشتاء استغلال جيد لموضة المعاطف والفرو وكل الأنواع الغريبة من الثقل والانتفاخ". قال بسخرية، وكان لوجهه شقاوة مالت إليها ذكريات طفولتي، أضحك .. بشدة أضحك "لأننا نحب ذلك، وليس لأننا نحب الانتفاخ، بل إن للمعاطف إحساس ناعم، خصوصا تلك الجميلة والواسعة، إنها تغُني عاطفتنا وتلملم شتات حاجتنا لكتف أو لصدر نندس فيه خلال خطوات الصباح الباردة ولسعات الهواء مساء مثل قبل من ثلج، كما أنها أنيقة ونستطيع تحتها أن نخبئ الأجزاء التي نخجل منها من أجسادنا .." وضحكت، قال وعلى وجهه تطلع ابتسامة هادئة "تبدو أحزانكم أشد ألفة وسحرا بينما تنغمرون بداخلها مثل لآلئٍ خجولة." "وهذا أيضا .." علّقت، وقد بدت لي فكرة جيدة و رومانسية، فكرة الحزن النائم تحت المعاطف .. "هذا لطيف، ولا أقصد اسمي هنا .. لكن لن يبدو مناسبا أن أنغمر كل يوم تحت معطف وآخر" بسخافة أضفت.
 
ظلّ مبتسما .. للريح التي تهب من بينه وبيني، للبرد الذي يجعل المسافة دوما أقل .. ومدى التعب أحنّ، ثم في النهاية أطلَّ بتبسمه نحو وجهي وعليه، وابتسمت مع ابتسامته  تلك التي كم كانت هادئة ومنحتني سلاما أو تخيلت أنها فعلت، ابتسامة أن تشعر بما يتكسر داخلك .. ومع ذلك ما تزال حيا، تهرب منك لحظات وتجيء إليك أخرى، وأنت ما تزال أنت، متهاو داخلك وتشتهي أن تتهاوى أنت الآخر بكل ما فيك على أرض حنونة، وربما عينان دافئتان تقولان لك ببالغ اللطف:
احزن، أنا مهيأة لتعبك.
 
 
 
 
 

 

الثلاثاء، 31 ديسمبر 2013

سيرة ذاتية ..








داخلي شوق مسافر، أراني أبحث دائمًا عن الضوء ..
ما مدى الظلمة داخلي يا الله؟ أفرّ إلى الضوء،
أفرّ من تعب الشِعر والكلام الحلو الذي أحيانًا مهما قرأته تظل قناديل الروح مطفأة،
 ولا يُسهب سعدٌ صغير في الاشتعال ولا تهبّ حتى رياحينه ..
 
 أتمثل في نقطٍ صغيرة في فراغ أبيض، يمكنني أن أكون في أي إحداثي وفي أي لحظة، لكنني في لحظة خالصة من الحضور والوجود مازلت متفرقة .. ومتبعثرة لحاجاتٍ لا تعد وأحيانًا لا توصف، لا أستطيع ببساطة أن أجمعني أو أن أشدّ بصر الغريب لجزء واحد من أجزائي الكثيرة والصغيرة، ما أكثر فراغاتي لو مددت يدك، ربما سأعترف بأنني من بعيد لي شكل لوحة متماثلة، تؤذي العين بلطف وتستفز الحواس على نفي المسافة الماثلة إلى أقل من ١٠ سنتيمترات، وهكذا .. بمسافة تكاد لا تذكر، تتكشف تفاصيل اللوحة بشكل متفرق، تفصيل واحد بعينه متمركزًا حول ذاته، يفصله فراغ لا بأس به عن التفاصيل الأخرى، التي هي بدورها تنفصل أيضا بذاتها عن التفاصيل الأخرى بمئات الفراغات التي لا بأس بها، ولابد وأن اللوحة تحولت لوهم بشع، ولابد بأن الإيذاء اللطيف الذي مرّ على شعورك وأنت بعيد .. تحوّل إلى إزعاج لا يطاق مع كل هذا القرب اللا متناهي!
 
تطرأ على بالي فكرة عني، أود أن أقولها بصوت مسموع أو أن أكتبها على جبهتي ..
 "لا تقترب، إلا في حال رغبتك بتعكير انطباعاتكِ الأولى الجميلة"
أو لنبسط الأمر أكثر "ابتعد، حتى تراني أجمل"
 واحفظ، احفظوا مسافاتكم، إلا إن كنتم تمتلكون تلك الرغبة القوية والشجاعة في الحب، أعني نوع الحب الذي يتطلب منك أن تغمض عينيك وتفتح قلبك، أن تتحمل .. تتحمل أشياء قاسية، وحلوة، وصعبة، وسيئة، وحقيقية بشكل مرير، أشياء تصل للبشاعة لكن ما في قلبك قادر على إعطاءها سبب جمال آخر وليس أخير أبدا، الحب الذي له هيئة التعب ولكنه لو شاء لتفجرت منه كل منابع السلام والراحة، الحب الذي لا يحتاج من الآخرين أي تحفظٍ أو تكلفٍ أو حرج .. الحب الذي يثمر وينضح ويكبر، الحب الذي لا يحكم ولا يقيّد ولا يمارس عدوانا فكريا على عاداتنا الصغيرة السيء منها والحسن ..
 
 الحب الذي يبتسم كلما صرخت في وجهه
"أنا وحش! لماذا أنت هنا .. جانبي؟!
أنا وحش، لا أحد يحب الوحوش ولا أحد يفضل البقاء بجانب وحش!"
.. ثم فجأةً لا تعود وحشا.




الخميس، 7 نوفمبر 2013

سفر اللحظة ..












أمشي من بعد درس ثقيل، لماذا يأتيني الكلام لحظة لا يسعفني حبر أو ذاكرة. أضم إلى قلبي الهواء .. لا أعد خطواتي ولا أسألها إلى أين، بل أمشي كما لو أنني على حافة ولا يهم إلى أي هوة سأختفي، لن أختفي .. ليس في تعبير مجازي، غالبا أختفي عن حدودك ومساحات بالك، لكنني حيث الضجيج والعالم المتشابك المتفكك لا أختفي وكثيرا ما أجدني، ليس في التفاصيل العظيمة ولا في أغنية منعشة في الصباح ولا حتى في درب بجانبين مزهرين أو قصيدة مرت على مسمعي في حلم، بل أجدني تلك الهائمة في مقعد أمام كلام يشرح فرضيات ونظريات لا تحمل عن القلب همه وشكوكه ولا تضع حتى سؤالا حلوا، إنما كلام يجعلني أتساءل عن حقيقتي .. وعن افتراضي، وعن ما أحبه فيما بين الشيئين، كلام أحب نصفه وأكره بدايته، كلام يأخذني على محمل الجد وآخذه أنا على محمل أن الوقت سيمضي وسأخرج منه سالمة..

 أجدني مثلما أخبرتك ضائعة، أبحث بعد سهوي عن خيط ألمسه فأستدل به على قطعة الثوب الكاملة وعلى ما يفترض بي أن أكونه، إنني في النهاية أحتاج أن أكون أي شيء في طريقي لأن أكونني، وأجدني .. تلك المارة من بين ألوف ولا يستيقظ قلبها عن الوحيد النائم ملء شوارده، تلك التي تحمل من الكلام جمال الصوت الآتي به، لا أملك صوتا جميلا، صوتي يشبه كثيرا صوت طفلة هادئة تشتهي لو تجرب الشقاوة أمام العلن مرة .. لكنها كثيرا ما تبلع الحروف فتتردد عن الانقلاب.

 أحلم بأن أقرأ شعرا مثلما تُغنى أغنية بصوت حالم يسجي عن الليل ضواحيه الباكية ونجومه اليقظانة، لي أسبابي حين أصمت ولا أملك سببا واحدا للكلام سوى أنني لا أحب الأقفاص، والصمت قفص الأصوات، أعوّدني على مجرى الهواء والاندماج في معمعة العالم، أختلط بحديث وبآخر، وأتشوق أكثر لحديث خضته وأنا أكتب رسالة لغريب .. لم يرد علي إلى الآن.

 لا أفهم إشارات السماء وغالبا حدسي تجاه الأمور مغفل وخاطئ، كثيرا ما أقول بأنني أحس .. من منطلق اعتيادي على ذلك، لكنني لا أدرس إحساسي قبل أن أزرعه، عاطفية لكنني قاسية أمام القرارات، لا أستمع لقلبي بل لعقلي .. أنا التي تذوب أمام الشِعر والكلام الحلو ومسافات الغزل بين عينين، أغلق الأبواب بوجه اللحظات العاطفية لأن عقلي يرى بأنه أجدى، قاس ربما .. لكنه جنبني كسورا كنت لأبحث الآن عن ورد لأرممها، وعن جروح كنت لأخطف دمى الثلج كلها لأبنيها فوقها، عاطفتي مختزلة أو متشككة .. لا أفهمني ولا أفهم آلية الحب عندي..

 أجدني .. أجدني في تناقضاتي وهروبي، في نزعتي إلي وانغلاقي، في انقلابي على أسواري التي تحميني، أجدني في عجزي عن الركض إلى النور .. اركضي لست فراشة لتحترقي، اركضي .. لله، للنور، لواسع الطمأنينة وواهب الرضا والفكرة .. وفاتح أبواب السلوى، نسيا منسيا .. سيذرو عنك الألم، أركض .. لا بل امشي إليه، قفي إليه، ارغدي حتى إليه، أغمضي إليه حواسك وافتحيها لمهب رحمته ونوره، نأخذ من الأصوات ما يرضينا من كلام، أحب فما لا أنسى صوته ولا كلامه البلسم، ننسى الصوت ولا ننسى الكلام، الكلام الذي إما سهم أو ورد محل الدم، ما أجمل الذين قالوا لنا رقادا هانئا، ثم أغمضوا عيونهم على حلم أبيض وما عادوا، ما أجمل احتمال ليل هادئ في الجزء الآخر من العالم، ما أعذب أن تتشابه دعوة أرددها في منامي وصلاتي ووحدتي مع مطلع مناجاة غريب في مكان ما بعيد، ما أحنّ أن تأخذني مني وتأخذ مني صمتي لأنني أخاف أن أهجر في روحي الكلام، أما كان أءمن لك لو أن لك قلب تذوب فيه الكلمة الحلوة والسيئة، أو لو أنك تصحو على عينين تحببانك بالصمت لأن الشِعر والقُبل فيهما أبلغ، أو لو أنك طفل ويدك تغفو على يد أمك حيث لا تصحو أسوار ولا حدود ولا لحظات تعب، قبّل ما يأتيك متأخرا لأنه آسف ولأنك آسف .. ولأن انتظارك بطوله كان جميلا وأتعبك، جميلا وأسهدك، جميلا وعلمك بأن الحياة هي ما يفوتنا ونحن ننظر إلى جهة واحدة قد لا تنفتح منها الأسرار التي اشتهينا دوما مجيئها.

السبت، 31 أغسطس 2013

آخر الوداع.



أريدُ أن أنهض من وعكتي ..
لا تقدم لي القهوة، لا أحبها، إن كنت ستقدمها أضف معها الحليب، ويا حبذا قليلٌ من نكهة الفانيلا لئلا أضيف السكر. أحب المقاهي لكنني لا أحب القهوة كثيرا، وأحب المقاهي المفتوحة .. تلك التي تحث الروح على الخفة والاندهاش بكل لحظة سانحة ومشهد عابر. أمد يدي تحت الطاولة أتخيل بأنني أتشبث بخيط لا مرئي بين حبيبين، أشدّه .. أقربهما من بعضهما أكثر. يدك فوق الطاولة، تطرق عليها بأصابعك، تزعج كينونتها، لا أسألك ما بك .. لأنني لست مهتمة، ليس الآن، ليس في اللحظة التي أحاول فيها أن أنزع جذورك مني لأنّي ما عدت الأرض الخصبة ولا تلك التي تتمنى لو تكبر من مائها. تسألني ماذا سأشرب، أجيب بأنني أشتهي قطعة ريد فيلفت، لا، بل أشتهي أكثر الكريما التي تلبسها الريد فيلفت مثل غيمة، تسألني بتهكم لن تشربي الشوكولاتة الساخنة! غريبة، لا أبتسم هذه المرة ولا أضيف ردا أخير، أريد أن أنهض من وعكة قلبي، منك. أسافر في اللحظات العائمة أو لنقل تلك التي انتهت منذ مدة، أفكر بالكلام الذي قلته .. كانت عفويتي محض سذاجة، واستبصاري عمى، كنت أشدّ على يد لم تكن موجودة أصلًا إلا في خيالي وأرخي تعبي على كتف كانت أطول وأشد تكبرًا من أن تحملني، كنتُ شكل الكلام، كنتُ وجه الكلام الذي يعتمل في قلبي ففاتني أن أكون البئر لسرّي، لماذا أضعف هكذا، لماذا حين تضعف أنت لا أشعر بالأمر سيئًا، لا أحب أن أرى ضعفك، ليس هذا ما أعنيه، لكنك لا تبدو سيئا وأنتَ ضعيف، إنما أبدو أنا مثل ديمة تدفعها الرياح إلى أرض لا تحبها، مثل كتاب مشرّع تمرّ به الأيادي والوجوه، يقلبون صفحاته ببرود، يسألون بتعاسة لم لا يعيد أحدا هذا الكتاب لمكانه .. هذا الكتاب؟ هذا الكتاب له اسمه على فكرة!. يدك ما زالت تطرق على خشب الطاولة، أرنو أنا .. لن تستعيد جذورها ولا أوراقها، اطرق أكثر لربما يحمل إلينا النسيم رائحة الغابة حيث نبت خشبها لأول مرة، لم تطلب شيئا، ولا أنا، كنا نحدق في وسع المكان، في الهواء الذي كلما فتحت فمي لأقول كلاما فكرت به منذ مدة اختنقت، لماذا لا ينصفني الهواء، لا يسند صوتي، لماذا يصر على أن يتغافلني ويسحب مني الكلام خارج قلبي الصغير .. ويضيع به، أعد لي كلامي، كلامي الحرج والطويل، أعد لي قدرتي على أن أنهض وأبتعد دون أن ألتفت للمرة الأخيرة لأتأكد من قلبي، معي أم معك.



الخميس، 1 أغسطس 2013

in silence, she stood .. still.




حركة،
أفتح باب العتمة، أهرب من ضوء الكلمات القليل ..
أختار أن أنام على أن أقول ثمّ أصمت ثمّ أقول .. ثمّ أصمت.
أختار أن أنام على أن تهتز حبالي الصوتية ثمّ تجمد فجأة، لتجرحني من بعدها موسيقى،
موسيقى تعيدني لمشهدٍ قديم .. ما لي وما لهُ الآن.

- أغمض عينيك، نسيتُ كلامي ..
- أنتِ مجنونة

تذكرت، ذاك أنني كما كنت أقول ما زال على طرفِ القلب كلام، مازال الحرف يتهجّد على حدوده الضيقة
كان ليكون سهلا لو أنّك سمعت معي الصوت داخل رأسي، .. لو أنك عرفت كم مذهلة وجميلة هي النصوص
قبل أن أكتبها إليك. عسيرٌ على الفهم أنت، والكلام الذي يدسّ نفسه خلف الستار، أما كان بالإمكان أن أرفع
الستار ثم أمسكه، أفضحه .. لكنني لا أدل نوافذ روحي، تخيّل!

أحبّ البحر، أريده أن يهدر بغموضه فيني، أن يخبرني عن موجاتهِ المجنونات .. ينامُ على أصابعي ويستيقظ تكرارًا ومرارًا
دون أن يُطلعني على أحلامه التي رآها في منامه .. منامه القصير جدًا على أصابعي. يتساءل كلما غطى
صدفة وراح عنها، يتساءل ريثما تفصح كل يوم عن لون جديد من قشرتها، ريثما تنسلخ الألوان الطفيفة عنها
يتساءل البحر .. من يأخذ لون الآخر؟. أريد أن أمنح يدي للأفق، أصير نورسًا لدقيقة وألمس وجه الشمس.
أخاف، أخاف من هذا العالم الذي ينشغل بدواخله المتشابكة عنّا، أو أننا نحن من نتشابك حول أرواحنا ..
ونلهو، نسهو .. وتسرقنا الأشياء الواسعة عن الملمومة والدافئة.

- أحب المساحات الواسعة
- أنتِ سمكة

لربما أنا سمكة، بعدما ظننتُ أنني عصفورا صغيرا، .. ما أتفهنا حين نزعم ما نحن عليه
لست سمكة، ولست عصفورا .. أنا شيء تهرب منه كل تلك المخلوقاتِ الصغيرة أصلاً.
تمنيتُ لو أن يلاطفني عصفور صغير أو نتحادث عن إحتمالة أن تصير أسلاك الكهرباء
سلالم موسيقية، وسكك سفرٍ ودروب للمشي والحديث الساهر، أن تمنحني سمكة بساطتها في التنفس
تحت الماء، والنوم مفتوحة العينين - لا، هذا مخيف قليلا-، هكذا، لأسبح .. لأطير، دون خوف.

يستر كلامي القليل، الصوت داخل رأسي
يشبه صوتي، أحبّه .. ولا أخرسهُ أبدًا
لأنهُ يحرضني على الكلام رغم سبات اللغة وجفاف الحرف
رغم أصابعي المنكفئة إلى قلب كفي، الخالية من أثرِ الفكرة
لأنه يتركني أغني .. دون أن أنزعج من نشاز الحلم أو ضيقه
أريد للصوت أن يهدر، خلال دمي الهادئ، أن يهزّني ..
فأقول كلامًا كنتُ أخجل منه، ليتمدد الصوت في قاعي
يصرخُ ليمدّه الصدى، ووحدي أستمع، وحدي أضحك
لصوتي الدائر داخل رأسي، له .. وعليه.
كم كان الأمس مناسبًا لأبلل نفسي بالزحام وأرتّل أمنياتي بحنان
لأنني أعرف .. أعرف، أنها لا تحدث، ليس لفتاة مثلي.
كم كان مناسبًا أن أصطدم بعائلة لطيفة ثمّ أبكي لأن طفلًا شابهك ..

- تتحدثين ينتفخُ رحم الياسمين*
تنجب الأرض خطىً جديدة، تشعّ نجمةٍ عن مدارها
ويحنّ الشجر لانعكاسه .. على وجه الماء ورذاذ المطر البارد
أقفلي هاتفكِ ليلا، لئلا يشدّني صوتك، أو ازرعيني ..
حيث الصوت داخل رأسك، أتمشى معه .. ندور ونضحك.

متعبة، لأن .. أشياءً كثيرة تقفُ في منتصف روحي
لا أعرف كيف أعود إلى حيث لا يبدو صمتي وهنا ..
إنني أخبئ عاطفتي المشبوبة، ها هنا خلف صمتي،
وصمتي لي وحدي، لا أشتهي أن أمنحكَ إيّاه ..
تركب له ما تشاء من الكلام.

لا تُفكر بهذه الطريقة، المتفائلة والساذجة،
 تُغيظني .. لأنني أصير مثلك منتفخة بالفرح والأمل،
 ثم حين أغمض عيني يتهدّم كل شيء من دون علمي،
 وأفيق .. أفيق لأن صوت الانقضاء هزّ طمأنينة حلمي
 وراح عن الوسادة، وأبقى وحدي ..
 أعدّ الضحكات التي مشيتُ بها والتفتُ بها،
تغادرني الآن مثلما ينساني دمعي،
 يسلو حالما يفرّ عن رمشي،
 تنسانا .. لحظاتنا تنسانا،
 وحدنا نملك لها غرفًا فسيحة في أعماقنا،
 وأنت .. ما أكثر ما تنساني، وأذكرك.

هل اتسعتَ بما فيه الكفاية لتحمل عنّي ضيقي؟
أمّ إنك ضقتَ بما فيه الكفاية لتتمدد في ليل روحي ..
كلنا، مجرات واسعة، لو أننا آمنا بوسعنا وبضيق ما يشدّ حصارهُ حولنا.
لماذا لا نُسفر ببساطة عن شوقٍ أو حب؟
لا أدري .. قل لي؟


وأسمح لي الآن .. أن أبكي
على كلّ ما حبستُ عنه دمعي
للمشهد الذي ما له وما لي الآن ..
لأن لا كلام عندي،
ولأنني ببساطة .. وفي سعة تشابك هذا العالم
في سعة فوضاه، نسيتني .. نسيت أن أقف للحظة وأسأل:
مرحبا .. من أنا؟


* The picture above, belongs to @NHxD ♥