السبت، 31 أغسطس، 2013

آخر الوداع.



أريدُ أن أنهض من وعكتي ..
لا تقدم لي القهوة، لا أحبها، إن كنت ستقدمها أضف معها الحليب، ويا حبذا قليلٌ من نكهة الفانيلا لئلا أضيف السكر. أحب المقاهي لكنني لا أحب القهوة كثيرا، وأحب المقاهي المفتوحة .. تلك التي تحث الروح على الخفة والاندهاش بكل لحظة سانحة ومشهد عابر. أمد يدي تحت الطاولة أتخيل بأنني أتشبث بخيط لا مرئي بين حبيبين، أشدّه .. أقربهما من بعضهما أكثر. يدك فوق الطاولة، تطرق عليها بأصابعك، تزعج كينونتها، لا أسألك ما بك .. لأنني لست مهتمة، ليس الآن، ليس في اللحظة التي أحاول فيها أن أنزع جذورك مني لأنّي ما عدت الأرض الخصبة ولا تلك التي تتمنى لو تكبر من مائها. تسألني ماذا سأشرب، أجيب بأنني أشتهي قطعة ريد فيلفت، لا، بل أشتهي أكثر الكريما التي تلبسها الريد فيلفت مثل غيمة، تسألني بتهكم لن تشربي الشوكولاتة الساخنة! غريبة، لا أبتسم هذه المرة ولا أضيف ردا أخير، أريد أن أنهض من وعكة قلبي، منك. أسافر في اللحظات العائمة أو لنقل تلك التي انتهت منذ مدة، أفكر بالكلام الذي قلته .. كانت عفويتي محض سذاجة، واستبصاري عمى، كنت أشدّ على يد لم تكن موجودة أصلًا إلا في خيالي وأرخي تعبي على كتف كانت أطول وأشد تكبرًا من أن تحملني، كنتُ شكل الكلام، كنتُ وجه الكلام الذي يعتمل في قلبي ففاتني أن أكون البئر لسرّي، لماذا أضعف هكذا، لماذا حين تضعف أنت لا أشعر بالأمر سيئًا، لا أحب أن أرى ضعفك، ليس هذا ما أعنيه، لكنك لا تبدو سيئا وأنتَ ضعيف، إنما أبدو أنا مثل ديمة تدفعها الرياح إلى أرض لا تحبها، مثل كتاب مشرّع تمرّ به الأيادي والوجوه، يقلبون صفحاته ببرود، يسألون بتعاسة لم لا يعيد أحدا هذا الكتاب لمكانه .. هذا الكتاب؟ هذا الكتاب له اسمه على فكرة!. يدك ما زالت تطرق على خشب الطاولة، أرنو أنا .. لن تستعيد جذورها ولا أوراقها، اطرق أكثر لربما يحمل إلينا النسيم رائحة الغابة حيث نبت خشبها لأول مرة، لم تطلب شيئا، ولا أنا، كنا نحدق في وسع المكان، في الهواء الذي كلما فتحت فمي لأقول كلاما فكرت به منذ مدة اختنقت، لماذا لا ينصفني الهواء، لا يسند صوتي، لماذا يصر على أن يتغافلني ويسحب مني الكلام خارج قلبي الصغير .. ويضيع به، أعد لي كلامي، كلامي الحرج والطويل، أعد لي قدرتي على أن أنهض وأبتعد دون أن ألتفت للمرة الأخيرة لأتأكد من قلبي، معي أم معك.



الخميس، 1 أغسطس، 2013

in silence, she stood .. still.




حركة،
أفتح باب العتمة، أهرب من ضوء الكلمات القليل ..
أختار أن أنام على أن أقول ثمّ أصمت ثمّ أقول .. ثمّ أصمت.
أختار أن أنام على أن تهتز حبالي الصوتية ثمّ تجمد فجأة، لتجرحني من بعدها موسيقى،
موسيقى تعيدني لمشهدٍ قديم .. ما لي وما لهُ الآن.

- أغمض عينيك، نسيتُ كلامي ..
- أنتِ مجنونة

تذكرت، ذاك أنني كما كنت أقول ما زال على طرفِ القلب كلام، مازال الحرف يتهجّد على حدوده الضيقة
كان ليكون سهلا لو أنّك سمعت معي الصوت داخل رأسي، .. لو أنك عرفت كم مذهلة وجميلة هي النصوص
قبل أن أكتبها إليك. عسيرٌ على الفهم أنت، والكلام الذي يدسّ نفسه خلف الستار، أما كان بالإمكان أن أرفع
الستار ثم أمسكه، أفضحه .. لكنني لا أدل نوافذ روحي، تخيّل!

أحبّ البحر، أريده أن يهدر بغموضه فيني، أن يخبرني عن موجاتهِ المجنونات .. ينامُ على أصابعي ويستيقظ تكرارًا ومرارًا
دون أن يُطلعني على أحلامه التي رآها في منامه .. منامه القصير جدًا على أصابعي. يتساءل كلما غطى
صدفة وراح عنها، يتساءل ريثما تفصح كل يوم عن لون جديد من قشرتها، ريثما تنسلخ الألوان الطفيفة عنها
يتساءل البحر .. من يأخذ لون الآخر؟. أريد أن أمنح يدي للأفق، أصير نورسًا لدقيقة وألمس وجه الشمس.
أخاف، أخاف من هذا العالم الذي ينشغل بدواخله المتشابكة عنّا، أو أننا نحن من نتشابك حول أرواحنا ..
ونلهو، نسهو .. وتسرقنا الأشياء الواسعة عن الملمومة والدافئة.

- أحب المساحات الواسعة
- أنتِ سمكة

لربما أنا سمكة، بعدما ظننتُ أنني عصفورا صغيرا، .. ما أتفهنا حين نزعم ما نحن عليه
لست سمكة، ولست عصفورا .. أنا شيء تهرب منه كل تلك المخلوقاتِ الصغيرة أصلاً.
تمنيتُ لو أن يلاطفني عصفور صغير أو نتحادث عن إحتمالة أن تصير أسلاك الكهرباء
سلالم موسيقية، وسكك سفرٍ ودروب للمشي والحديث الساهر، أن تمنحني سمكة بساطتها في التنفس
تحت الماء، والنوم مفتوحة العينين - لا، هذا مخيف قليلا-، هكذا، لأسبح .. لأطير، دون خوف.

يستر كلامي القليل، الصوت داخل رأسي
يشبه صوتي، أحبّه .. ولا أخرسهُ أبدًا
لأنهُ يحرضني على الكلام رغم سبات اللغة وجفاف الحرف
رغم أصابعي المنكفئة إلى قلب كفي، الخالية من أثرِ الفكرة
لأنه يتركني أغني .. دون أن أنزعج من نشاز الحلم أو ضيقه
أريد للصوت أن يهدر، خلال دمي الهادئ، أن يهزّني ..
فأقول كلامًا كنتُ أخجل منه، ليتمدد الصوت في قاعي
يصرخُ ليمدّه الصدى، ووحدي أستمع، وحدي أضحك
لصوتي الدائر داخل رأسي، له .. وعليه.
كم كان الأمس مناسبًا لأبلل نفسي بالزحام وأرتّل أمنياتي بحنان
لأنني أعرف .. أعرف، أنها لا تحدث، ليس لفتاة مثلي.
كم كان مناسبًا أن أصطدم بعائلة لطيفة ثمّ أبكي لأن طفلًا شابهك ..

- تتحدثين ينتفخُ رحم الياسمين*
تنجب الأرض خطىً جديدة، تشعّ نجمةٍ عن مدارها
ويحنّ الشجر لانعكاسه .. على وجه الماء ورذاذ المطر البارد
أقفلي هاتفكِ ليلا، لئلا يشدّني صوتك، أو ازرعيني ..
حيث الصوت داخل رأسك، أتمشى معه .. ندور ونضحك.

متعبة، لأن .. أشياءً كثيرة تقفُ في منتصف روحي
لا أعرف كيف أعود إلى حيث لا يبدو صمتي وهنا ..
إنني أخبئ عاطفتي المشبوبة، ها هنا خلف صمتي،
وصمتي لي وحدي، لا أشتهي أن أمنحكَ إيّاه ..
تركب له ما تشاء من الكلام.

لا تُفكر بهذه الطريقة، المتفائلة والساذجة،
 تُغيظني .. لأنني أصير مثلك منتفخة بالفرح والأمل،
 ثم حين أغمض عيني يتهدّم كل شيء من دون علمي،
 وأفيق .. أفيق لأن صوت الانقضاء هزّ طمأنينة حلمي
 وراح عن الوسادة، وأبقى وحدي ..
 أعدّ الضحكات التي مشيتُ بها والتفتُ بها،
تغادرني الآن مثلما ينساني دمعي،
 يسلو حالما يفرّ عن رمشي،
 تنسانا .. لحظاتنا تنسانا،
 وحدنا نملك لها غرفًا فسيحة في أعماقنا،
 وأنت .. ما أكثر ما تنساني، وأذكرك.

هل اتسعتَ بما فيه الكفاية لتحمل عنّي ضيقي؟
أمّ إنك ضقتَ بما فيه الكفاية لتتمدد في ليل روحي ..
كلنا، مجرات واسعة، لو أننا آمنا بوسعنا وبضيق ما يشدّ حصارهُ حولنا.
لماذا لا نُسفر ببساطة عن شوقٍ أو حب؟
لا أدري .. قل لي؟


وأسمح لي الآن .. أن أبكي
على كلّ ما حبستُ عنه دمعي
للمشهد الذي ما له وما لي الآن ..
لأن لا كلام عندي،
ولأنني ببساطة .. وفي سعة تشابك هذا العالم
في سعة فوضاه، نسيتني .. نسيت أن أقف للحظة وأسأل:
مرحبا .. من أنا؟


* The picture above, belongs to @NHxD