السبت، 8 مارس، 2014

سوناتّا قبل النوم










ربما كانت فكرةً سيئةً، لماذا غادرتُ سريري .. لأكتب؟ إنه الشوق المسافر داخلي لأن تبحث يدي آخر الليل في مدارات اللغة عمّا يُناسبُ مقامها.. مقامها القصير، ربما.

عن جدولٍ صغير، عن ضفتين، عن عينٍ تغمض على الحب ما استطاعت حتى لا تفقدُ اشتهاءها للحياة، عن قلبٍ لم تُسجل المجرة باسمه .. ما كان واسعًا. لماذا؟ لماذا لا تنبت القصائد كما تنبت ورود النوّير شتاءً هكذا، دون أن تسأل الأرض ولا الشوارع إن كانت مبتهجة أم كئيبة كفاية؟ ولماذا لا تأتي الكلمات هادئةً وعذبة مثل ورود النوّير أيضًا حين تغمض بنعومة بتلاتها الصغيراتِ ليلًا.. وتنام، الورود تنامُ أيضًا، لمَ لا ينامُ هذا القلب إذن؟ أ لأنه لم يكن وردةً كما تخيل ..

أريدُ أن أمنح للذين نسوا قلوبهم .. دمي، وللذين ما زالوا يمشون ضفافًا آمنة، وللذين تعبوا .. أسباب تعبٍ حلوة. ربما كانت فكرةً سيئةً، لماذا قرأت كلامًا ناعمًا قبل أن أنام؟ لأكتب؟ إنه العجز اللطيف عن خلقِ مساحاتٍ من الجمال والسرّ، وإصرار الأصوات في الداخل على أن تنضمّ للكورال وتغني .. لأن لابد للعالم أن يؤمن بأن النشاز، صوتٌ جميلٌ أيضًا.

أغمض عينيك، وامشِ إلي .. تقول الفكرة، عزيزي .. هل أفكارك، لها نبرتي؟ هل تسمعها ثم تمشي، تمشي إلي؟. أريدُ أن أهديكَ أغنيةً قبل أن تُحبّني وقبل أن تضحك وقبل أن تبكي، أغنيةٌ قبل اللحظة، أغنيةٌ عالقةٌ بين ما سيمضي وما سيأتي، لكن ما كنت لتعرف عزيزي، من كان ليعرف اللحظة قبل أوانها ..

نقاط تلاقٍ أكثر، رؤوس تعارضٍ أقلّ .. لا أريد تشابهًا كبيرًا، أريد اختلافًا جميلًا.

هل تُخبر ساعة الحائط لحظاتها بأن خطواتهم جميلة؟ وهل تعرف عقاربها بأنها لا تملكُ سُمًّا؟ 

قبل أن تُحبني؟ لماذا أتأكد هكذا؟ كثيرًا .. بأنك ستُحبني؟ لماذا أنوي أن أُهديك أغنيةً قبل الحب؟ لماذا لا أهديكَ إياها الآن وحسب، هل ترى بأنه يجب أن أصرّ على فكرتي، قبل الحب؟ أم أنك ترغب بأن تسمعها الآن، قبل أن تحبني وبعد أن لم تحببني؟ الآن وفيما بعد وقبل قليل ومتى ما شئتُ .. لأنك لن تُسعف أماني القلب الصغيرة، وأن فكرة الحب، فكرة حبّي لم تخلق بعد فوضى بداخلك.

يقلقني أمر الذين لا يؤمنون بالله.. الذين يملكون عقولًا واسعةً وجميلة ثم لا يؤمنون بالله، وبأنهم .. لا، لم يأتوا صدفة، لماذا كان على العقل الجميل أن يتضح لخرابٍ ليس جميلًا هو الآخر؟ أريد أن أحبّهم بما فيه الكفاية، أريد أن أريهم الله، في القلب.

مقهىً مفتوح على صباحٍ أبيض، للحمائم السانحة على صدرِ السماء موسيقى جديدة، البنتُ التي تشربُ الفانيلا لاتيه تبتسم لانعكاس وجهها على نوافذ السيارات المارقة، كم كان لطيفًا أن ترحل الأشياء بوجهها وهي تبتسم، .. أمام المقهى، على الرصيفِ المقابل يقف عامود إنارة، إنه عامود إنارة، وكان بالإمكان أن يصبح رجلًا وسيمًا، يمشي إليها بلباقةٍ ويقطف من فمها القصائد وقوت الحمائم وانشراح الهواء، أن يمشي إليها ما دام الصباحُ أبيضًا وما من ليلٍ يستدعي قناديل الضوء وحكايات البال، عامود الإنارة يبقى عامود إنارةٍ في الرصيف المقابل للمقهى، وعليه تتزاحم سجلّاتٍ ودعاياتٍ وأخبار ٍوتساؤلات، كان بإمكانه أن لا يكذب أكثر ويمشي إليها بأناقةِ من سرقَ الليل في جيبهِ ومنح العالم هذا اليوم صباحه الأبيض، ... كانت السيارات تمرّ، ووجهها لم يعد يبتسم، إنها لا تراه على النوافذ المارقة، لقد أخذته الحمائم السانحة .. تعيد به ملامح أرضٍ بعيدة.

اللحظة تغادر، ويكبر عشب الماضي. النبرة حزينة، تعود لساعة المغرب، الشوارع تغرق بكآبةٍ زرقاءٍ داكنة، والسماء كما لو أن أحدهم نسي على وجهها بعض الورد والبرتقال ومع ذلك لم تنجُ من كآبتها، في طريقي للعودة .. كل شيء هادئٍ ومنسيّ كما اشتهى، كم عمر هذا العالم يا ترى؟ وكم هم أولئك الذين أحسّوا يومًا بمثل هذا الشعور الذي يشبه غرقًا بطيئًا في مثل هذه الساعة من الزمن؟ حيث لكل شيء رغم صمته نبرةً حزينة... ، كم عمرك أيها العالم؟ ولماذا أشعر فجأة بالحزن على كل الذين عاشوا ورحلوا منذ زمن مضى ومضى ومضى، لماذا أشعر بالحزن عليهم، لفكرة أنهم حزنوا يومًا؟ ولماذا تمرّ علي وجوههم وهي في حزنها كما في فيلم أبيضٍ وأسود، إنه يزيد بالي حزنًا والفكرة تورطًا أكبر بالألم والسقوط، .. حسنًا أيها الحولُ الهادئ، سأفرض عليكِ فوضاي وضجيجي، لماذا لا يسعك مثلي أن تختنق؟ لماذا تفقد أيها الهواء خفتّك؟ ولماذا يصير الأزرق ابن الأسود، لمَ لا يظل أزرقًا وحسب؟ ولمَ يسرقني الطريق من انتباهي أو أنه نسي أن يعيدني إليه؟ لماذا لا أحتسب الضياع الآن أمنًا ولماذا لا أخاطر ما دمت أبدو جميلةً اليوم؟ أسلّم على الضواحي التي تلبس السكون والزرع الذي صار أشدّ خضرةً من ذي قبل وأضواء الشوارع توزع عليه عيونها، أفكر بالشارع الذي لم يفكر يومًا بأن يصبح شارعًا، وباحتمال أن يقفز هاربٌ وسيم من مجرى الصرف الصحي على فمّ الرصيف، .. امنحني أيها النوم ساعاتك اللطيفة، اليقظة في مثل هذه الساعة والنبرة الحزينة والكآبة الزرقاء الداكنة .. رعبًا واسعًا، وأنا أحببت في اليقظة سلامي عليه ولقائي العاطفي بيده وضحكته. نسيتُ كوبي، لقد تذكرت .. لماذا ننسى أن نتذكر ولا نتذكر أن ننسى؟ لماذا لا تؤمّن للغياب سريرًا مريحًا؟ الحب يؤلم، لا .. ما يؤلم أكثر هو أصوات العصافير داخل بطني لحظة جوعٍ في غير محله.

عزيزي، إلى أين تؤدي سلالمك؟

قصيدة حب، تحت النخل .. هذا رومانسيّ لو فكرت بالأمر قليلًا. أخبّئ التعاويذ تحت لساني، عليك أن تُقبلني أولًا حتى تجرب السحر. إلى ماذا كنت لتتحول في ليلةٍ قمرية؟. اعبر أيها الماشي شارع قلبي وحاذر أن تدهسك نبضةٌ منفلتة .. أعرف كم هنّ مغرماتٌ بك. ليلًا حين تطوف تحت عواميد الإنارة .. غنّ لظلّك، الظلالُ تحب الأغنيات. العالم مليء بوسائل الاتصال .. أرسل لي إيميلًا *بتصرف.  لا أعطي للحرفِ بعدًا جديدًا ولا للقلبِ منأىً أو سفر، يا لعراء اللغة وأنا أحبك.

أنا طرفٌ مخلوع، قصّ على قلبي الحكايات علّني أصل للجذع الذي بدأت منه. افتح لي بابًا أرى من خلاله هيئتي الكاملة داخلك، أو داخل هذا العالم.


السبت، 18 يناير، 2014

ما كان كلاما طيّبا ..





-


 
أعدّ داخل الروح مواقد للبرد ولصغار الفراشات داخلي،
الحنين ملعون والصبر يحتاج هو الآخر صبرا، صبرا جميلا
ولسوف يعيننا الرب على ما تصفون، أنا واحدة وأنت ألفٌ وجموع
في الدم في النص في العين وفي السهو وفي الارتباك الجميل،
كلّ الارتباك الجميل ..
يغيب عن العين ما لا يغيب عن القلب، ويظل في الروح ما لم يطُفِ الجسد
أسافر ولا آخذ معي كلمات مناسبة، عيناي بوصلتي، والعاشق دليله معان مسافرة في الأحداق
ما أنا بعاشقة، لكن يقال والله أنني في حالة عشق دائم .. مع الرحيل إلى تفصيلٍ
نسيه العالم
لكنه ظل آمنًا وجميل ..
ذرني، أو خذني

ما أقل أحلامنا قبل أن ننام، وما أشرسنا ونحن في اليقظة نحلم
يشتعل العالم، قلبي يرهف السمع، يعرف ..

يعرف أن العالم رغم قسوته ، الآن يبكي
"لكنني لم أحبّ يومًا كل هذا الدم"، ويبكي.
لا أريد للمعنى أن يفترق
ولا للكلام أن ينهب الأفكار شكلها ..
كنتُ أصدَق قبل أن أفتح فمي،
كنتُ أوسَع وأنا أعطيك ما في الروح من كلام .. على عيوني،
كان يجب أن تحفظ في الجيبِ معجمك.
عن حكيم ما أعطاني من كلامه سوى الخاتمة
خاتمة الدرس، لا التجربة ..
بكاء العظة، دون نشوة الخطأ، دون سلام التوبة
وعن يد مدت يدها للحب فانكسرت رذاذ ماء للورد والأفواه
الورد سيكبر، وقد يسدّ يومًا فم البندقية
لكن ما الذي سيسدّ فاها سيئًا؟ البندقية التي غطاها الورد؟
عن رأس مال إلى رقصة ثم انحنى منه الدم نهرا ومات
لكن الأغنية التي ما زالت ستدور، هي تعرف أنها لابد أن تدور
لأن الأغنية لا يهمها، ولأنه لابد من مفارقات عجيبة في الحياة
دمٌ مقابل موسيقى ..
عني أنا، أكتب بسوء لأنني فارغة وأحتاج أن تسعفني اللغة
عن اكتظاظ الكلام هنا عند أطراف يدي .. أصابعي
وعن الصمت الذي يبالغ في السبات
من يوقظ حضرته، قلت له أن لغتي مضروب رأسها بالحائط
وهرب .. هرب الشاعر بما تحمل أبياته من ذهب وأغاني
أسعفني أيها المارق في مسعاي، بأدب تقف أيها الجميل

وبأدب أسألك:
"ارحل .. دعني بسلام أحلم بغيرك"
ذاهبة أو باقية
لا يهم، ما زلت سأضحك متى ما رغبت
وليقل العالم قليلة أدب، وليقل مجنونة .. وإن كان كما يزعم جريئا
فليقل .. سعيدة!




الثلاثاء، 7 يناير، 2014

مسافة الأسماء

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 مسافةٌ واسعة، داخلي مكسور. أريد أن أمدّ يدي فألمس يد غريبٍ من الطرف الآخر من العالم داخله مكسورٌ أيضا. أن أشرح له معنى أن تسمع صوت تكسر شيءٍ في داخلك، لا تسمعه واضحا، لكنك تسمعه بشكل مجازي كلما أغمضتَ عينيكَ لتنصت، شيءٌ هش .. له صوت الغياب والتعب، له برد أن تتأخر عن العودة وغبن أن تهرب قبل بداية المأساة.
 
أن أبتسم وأطلب منه أن نعد الغيم معًا أو أن أشير إلى غيمة بشكل عشوائي "ما شكلها؟ أظنها .. رأس فيل، أليس كذلك؟" أسأله، يرجع لي بابتسامة خبّأت التعب وأضحَت شُجاعة، لكنه لا يرد علي .. لأن لا غيم في السماء، مع ذلك يمسح الغيم السانح في عيني.
 
أخبره عن معاني أسمائنا وأسأله إن كان قد أعجبه معنى اسمي، "وأرجوك لا تقل بأنني مثل اسمي .. لطيفة وودودة" على ساعدهِ الأيمن كنت أشدّ، "الأسماء لعنة؟" أسأله أيضا، يصمت طويلا ثم يردف " أخبرني صديق لي وهو شاعر بالمناسبة، بأن الأسماء ليست سوى حيلة ظريفة." "حيلة؟ كيف؟" أعود لسؤاله بإلحاح أَحَبّه،  يجيب بثقة وظننته اقتبس كلامه من صديقه الشاعر "إنها خدعة بسيطة تحمّلنا أن نكون ما لسنا عليه أحيانا". وأكثر ما كان من ردي هو موافقتي لجوابه الحقيقي بشكل غريب "آه ذلك إذن يفسر سبب كرهي لاسمي أحيانا، أظنه يرغمني على أن أكون لطيفة .. مع أنني في معظم أحياني وحش، أضف على ذلك وحش مولّع بالشوكولاتة"، يبتسم "أظنها تلك الإضافة الأخيرة هي ما يجعلك وحشا لطيفا، مما يعيدك لنقطة البداية، لحقيقة أنك .. لستِ سوى اسمكِ"، "لست سوى اسمي؟ هذا قاسٍ قليلا أعتقد" أقول بتذمر ريثما أهذب خيوط شالي، يضحك .. "حسنًا، ربما أكثر من مجرد اسمكِ بقليل."
 
"الهواء بارد، أحب الهواء البارد، أحب المعاطف والملابس الثقيلة والخطى البطيئة التي تستحث دفئًا أو ربما بللًا مفاجئ .. " أقول وأنا تحت تأثير الرياح الباردة وهي تهرول فوق جلدي، فأنكمش مثلما تنكمش ورود صغيرة تحت رذاذ الماء. "الاكتناز والمبالغة في ارتداء الملابس متعة النساء في هذا الوقت من السنة .. الشتاء استغلال جيد لموضة المعاطف والفرو وكل الأنواع الغريبة من الثقل والانتفاخ". قال بسخرية، وكان لوجهه شقاوة مالت إليها ذكريات طفولتي، أضحك .. بشدة أضحك "لأننا نحب ذلك، وليس لأننا نحب الانتفاخ، بل إن للمعاطف إحساس ناعم، خصوصا تلك الجميلة والواسعة، إنها تغُني عاطفتنا وتلملم شتات حاجتنا لكتف أو لصدر نندس فيه خلال خطوات الصباح الباردة ولسعات الهواء مساء مثل قبل من ثلج، كما أنها أنيقة ونستطيع تحتها أن نخبئ الأجزاء التي نخجل منها من أجسادنا .." وضحكت، قال وعلى وجهه تطلع ابتسامة هادئة "تبدو أحزانكم أشد ألفة وسحرا بينما تنغمرون بداخلها مثل لآلئٍ خجولة." "وهذا أيضا .." علّقت، وقد بدت لي فكرة جيدة و رومانسية، فكرة الحزن النائم تحت المعاطف .. "هذا لطيف، ولا أقصد اسمي هنا .. لكن لن يبدو مناسبا أن أنغمر كل يوم تحت معطف وآخر" بسخافة أضفت.
 
ظلّ مبتسما .. للريح التي تهب من بينه وبيني، للبرد الذي يجعل المسافة دوما أقل .. ومدى التعب أحنّ، ثم في النهاية أطلَّ بتبسمه نحو وجهي وعليه، وابتسمت مع ابتسامته  تلك التي كم كانت هادئة ومنحتني سلاما أو تخيلت أنها فعلت، ابتسامة أن تشعر بما يتكسر داخلك .. ومع ذلك ما تزال حيا، تهرب منك لحظات وتجيء إليك أخرى، وأنت ما تزال أنت، متهاو داخلك وتشتهي أن تتهاوى أنت الآخر بكل ما فيك على أرض حنونة، وربما عينان دافئتان تقولان لك ببالغ اللطف:
احزن، أنا مهيأة لتعبك.