الجمعة، 22 يونيو، 2012

رسالة كلّ صباح ..




-





تعدّين فطوركِ، تنضج الأرض، ينبت عصفورٌ من الشجرة الأخيرة في شارعنا - تلك الموسوم خلسةً في خصرها الخشبي، أوّل حرفٍ من اسمك -، تشرق شمسٌ من نافذة جارتنا العجوز، شمسٌ تشبه وجهكِ، تشبه غطرستي حين تهبّ نسائمك، تشبه خوفي حين أنسى كيف أكتبكِ .. تدسّين يديكِ بالطحين، تكبر غصون البراويز، تهرب ظلال الصّور كقطعٍ نرديةٍ صغيرة، يتلوّن الحائط بأيادي الأطفال المبللة بالزيت و الكعك و رائحة جونسونْ .. بينما تفرّ أصابعكِ من باب الثلاجة الهادئ تنصت القهوة لحزن الأباجورة، تهمس لها يد أمي " ضوء الشمس دومًا يكفي "، تُك و يموت الضوء كعتمة، يتراشق البنّ الطعم الأول، السحقة المفردة، الجذع الأصلي و الأيام التي نمى فيها تحت الثرى سعيدًا، كيف صرت قهوة؟ .. ترقصين بحماقة أمام تلاشي السكّر كغيمٍ في الشّاي، تنام أعينُ المغنيّة في مذياعي، كي يطلع صوتها حزينًا خائبًا، كالونّة الضعيفة، كيدٍ بلا رفيقٍ أو قلم، كحائطٍ لا يستند لثباته أحد، كالموج الذي لا يرجع للبحر مرًة أخرى .. تفتحين علبة البسكويت، يضيء وجه التلفاز، و خجلٌ أنا من التلفاز، ذاك الشاهد على غبائي، كسلي و كهولتي النشطة، الشاهد على فعالي السيئة و جواربي المطموسة توّها بزرع بيتك، واقفٌ كالأبله عند نافذة مطبخك الشهيّ، كالعدم، كالصرخة الواحدة لا تكسّر حيطان البئر العميق، واقفٌ أحفظ كلّ تفاصيلكِ، مقدار السكر في القهوة، لون الخبز في يديكِ و المقطع الذي تحفظينه من أغنية الصباح، أحفظ كلّ شيء و أشهدُ كلّ شيء إلّا وجهك الذي لا يشفي ظمأ النوافذ، و الحيطان العالقة وسط النوافذ، و الستائر المشنوقة بفتنة فوق النوافذ .. تخفقين بيضةً أخيرة، و أتذكر بلادة الوجوه العربية، قلوبهم الضعيفة، ركائزهم الضائعة، و الأناشيد التي تأتي دومًا دون معنى يهزّ الكسل و الهروب اللذان يجريان في معاقلنا، في أراضينا الدموية، في قراراتنا الهزيلة ..

تغنّي أمي للقطةِ التي أكرهها، و صوتي .. لم يعد يقظًا، صوتي الذي تعلّم كيف يعيد قوّته فوق الورق على شكل قافية، على شكل أحبّكِ تسرق الطريق لتهرب نحوكِ، صوتي الذي تعلّم كيف يرتب الوطن، العالم و كلّ نبراته التي لا يصل إليها على سطرٍ و آخر ..
صدري الفزع يتذكّر الأمن كجزءٍ مفقودٍ من النّص، فقدٌ ينبت في الآخر كدورةٍ متتالية من الموت الواحد داخل قلوبنا النابضة بعد كحياة، انّه صعبٌ أن تموت فيك الأشياء التي ولّدت كلّ معنى للحياة، صعبٌ أن تتسرب منك كضوءٍ يفضّ بكارة عتمة، تتسرب سريعًا كصوتٍ واحد، كريحٍ لا تقف، كنهرٍ لا يعيد نفسه، و عاجزٌ أنت عن البكاء، عن الحراك، عن المضيّ ..

ينفذّ الله منّا و فينا من كلّ صوب، لا يمكن لروحك أن تتصوّر جزءًا واحدًا من هذه الحياة الواسعة دون أن تبني للهِ وجودًا فيه، الله في كلّ شيء، في كل روحٍ و خطوٍ و فقد، و لذلك دومًا يدلّ السلام دربه لأرواحنا دون أن ندري، يميّزنا صدر الحبّ من بعيد، يتوّلد رفاقٌ و نهفو دون أن نسمع خطوِنا المتكسر، الله يُوجِد في قلوبنا كلّ شيء، كلّ معنى و شعور، نحن من عليه أن يدرك ما في الداخل، أن يؤكد الأصول المزروعة فيه، يلفظُ واحدًا و يحفظ آخر ..

أنتِ الآن تشربين القهوة، و تهتز حقول البنّ في العالم كلّه، و أصير دون تحفظٍ أو شكّ الكريمة المخفوقة في كوبكِ، و اللون المضيء الأخير من عمرك.


* يجيئكِ الكلام هرولة.











08:08 مساءً
22- يونيو - 2012
حركي شجنًا؟ لا أعرف كيف!

الجمعة، 8 يونيو، 2012

لو أنه سطرٌ أخير.


















-

فرشت السجاد الذي اشترته لأمها .. شيءٌ ما ينقصه
يتبدل جلد النافذة مع حركة الشمس كل ثانية، حتى لا يحترق
تنمو قصة ما فوق المزهرية و تطاردها ساق الوردة كنهاية

عيناه توطدان العلاقة بقلبها، تبحثان جيدًا داخله لا شيء يشبهه
الكذبة التي ابتدعَتها لحظة سؤاله بما تفكرين
 كانت تفكر بوجه الممثل الفاتن تلك الليلة
 أجابته : لا أريد الرحيل مجددًا لهناك

كيف تبرر الحياة سيئاتها؟ كيف تتمدد ظلال الجشع فوق صدورنا بهدوء
كيف نسير بيد و ثانية دون أن ننحر و لو وجهًا واحدًا من وجوه الحياة

لأن المطر يبلل القلوب أيضًا، هربت عارية، بوجهٍ كوجوه العابرين
 أرادت أن يأكلها البلل، و ينساب وجهه من قلبها مع زخم المطر و جلبته

تصرفها الغبي أحيانًا، لتخفي غيرتها، فتقول له بابتسامة متخمة بالقهر :
 عاديٌ جدًا لو أُعجبت بها
 تفكر بضوء عينيهِ حين يتسلل خلسة لصدرها، و تنتابها غصّة
تحمل وجع الحبّ، و التفاتة الفقد الساهية، تخاف أن يطير مع الريح كريشة
لكنه بالنهاية يرجع، كأغنية قديمة، كرائحة اللعب، كالشهيق يرجع

يهرب كل شيء، إلى ما وراء عقولنا، يختبىء طويلًا، البعض يموت و البعض الآخر يخرج مشوهًا
كان علي أن أجلب الورق معي قبل أن أنام، يداي تشعران بالحرية أكثر حين أحلم


رده الساخط : لا شيء يعجبني سواك، ثم أنه لا شيء فاتن في تلك المغنية ذات الخمسة و الأربعين عامًا
معطفه الداكن، و كتابه الذي لا ينهي قراءته أبدًا، لأنه بين السطر و ما بعده يفكر بأصابعها النحيلة
يفكر بامتدادها العظيم في قلبه، و كيف أن قلبه ضئيل حين تعبره ضحكتها

الأرض، الأرض القوية، التي لا تنسى، و يظل التاريخ يكذب يظنها تنسى
ثابتة، ثابتة جدًا، لحدّ أن تضجر صدر السماء و تتمنى السماء لو أنّها سحابة باردة مثقلة ماتت على الأرض

تغني ريثما تعد حرارة الفرن، ينساب لحن من قلبها و يطوف حول يديه
 يتخيل لو أن قلبها بمقاس كفّه،  لو أن وسادته تكبر كي تضمّ وجهها صوب روحه

صوت أمٍ بعيدة، يعبر الأسوار، الرخام، الأحاديث الفارغة، يقف بمَلكتهِ، ببعده المنيع في حلمه على شكل أسطورة
لماذا الوقار يلحق بهنّ، كظلّ، كحقيقة ثابتة، كدعوة نبي، لماذا تبدو الحياة ضعيفة أمام الأمهات ..

كان بالإمكان أن تُبنى حقيقة ما، من العدم ..
 فقط لأنك شئت يومًا ذلك، لكنك تهتم بأفواه من حولك كثيرًا

تنزعج من وطأة صوته آخر الليل، إنه يشّل خططها، خطط النسيان و الهروب، إنه يقتل بغتة فكرة حياة جديدة
تمنّت لو أنها حكاية قديمة، تطريزة فوق مفرش دانتيل، تسجيلٌ لأغنية بصوت لا تعرفه ..
لو أنها تحدث ضجّة في ما حولها، دون أن يهتز لها طرف، دون أن تتأثر بكل الأشياء و تبكي آخر الليل

تنزلق الدنيا من أصابعنا - ريثما نطرق فوق شاشة الهاتف الرقيقة - و تعود كفرصة أخيرة
تنزلق الدنيا من أفواههم ريثما يصرخون صرخة أخيرة : ماما ، تثقب الرصاصة رؤسهم الصغيرة، و لا يعودون
مرت قصيدة، مثقلة بالبكاء و حديث الشام و قبعة دامية، سقطت القصيدة و لم يرفعها أحد

كتبت آخر السطر : نسيت الدنيا أن توزع الوفاء بالتساوي على قلوب الجميع، و لم أحظى بفائض لأزرعه فيك، وداعًا
و ردّ : ربما تعلمت شيئًا جديد، أنني أشبه الحياة أكثر من أي شيء آخر، أتخلى عن كل شيء كأن لم أنجبه يومًا
كتبت .. لكنها لم ترسل أبدًا لأنها تعهدت بأنها ستكتب سطرًا أخيرًا واحد
ربما انتظر طويلًا، ردًا أخيرًا آخرًا منها، ثم أغلق قلبه كورقٍ ضعيف

لا يوجد ثمة سطر أخير، لأن عقولنا مضرجة بالسطور و أشباه السطور، التي تنبت بعد كلّ سطرٍ على أنه الأخير
سألني صديق من أين تقطف الأفكار؟ و لست أدري بم أجبته؟ بم ملأت عقله؟ أظنّه وجد الإجابة تافهة
كتبت كاجابةٍ واثقة : " من الصمت، من العزلة، من أشد اللحظات عفوية و تأثيرًا في النفس، من محاولاتنا البائسة في كل شيء، و حين نكتب تتولد فجأة حياة أخرى تتشكل كفكرة .. في النهاية لا أعتقد أن الأفكار وفيّة لجذع ما، لجذر ما، لها منابت عديدة و ولادات عدّة من اماكن مختلفة في ذات اللحظة . "

فتحت قلبها، آخر الليل، بعد فكرة مجنونة تسربت خلسة لعقلها، علقتهُ طرف السجاد، هذا ما كان ينقصه !
تمرنت النافذة على أن تبقي جلدها رطبًا، بالتحديق للشمس بعينٍ جسورة
و الساق لم تعد تلاحق القصص، آمنت بأن البدايات البطيئة تورث نهايات مفزعة، و هي متشوقة لذلك
مر صباح على عجل، أتاها يسأل : هل كان ثمة سطر بعد الأخير ؟، تلونت فوق صدره و رسمت شيئًا يشبهه
كنتَ السطر الأخير جدًا


بصوت ضئيل سألت الأب الحكيم :
ممَ تحزن الشمس؟
من أنها لم تستطع بعد أن تحرقنا، أن تحرق الأرض المختالة، الأرض الثائرة، الملوثة
تمتمت ببلاهة :
نحن الملوثون، الأرض ساكن، الأرض جماد، و الشمس لا تؤذي أحد ..
نحن من يصوّر احقادنا بهيئة حزن لا صلة له بنا، بهيئة حزن ينتمي لمن هم سوانا
حتى نتملص من لطخة السوء، من وصمة الخبث، من فكرة أننا مليئين بالحقد و الجشع
نحن الأشياء السيئة، و نحن الأشياء الطيبة، و نحن من يقرر كل ذلك.





- يا لهذا الحديث الفارغ و الطويييل !