الثلاثاء، 7 يناير، 2014

مسافة الأسماء

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 مسافةٌ واسعة، داخلي مكسور. أريد أن أمدّ يدي فألمس يد غريبٍ من الطرف الآخر من العالم داخله مكسورٌ أيضا. أن أشرح له معنى أن تسمع صوت تكسر شيءٍ في داخلك، لا تسمعه واضحا، لكنك تسمعه بشكل مجازي كلما أغمضتَ عينيكَ لتنصت، شيءٌ هش .. له صوت الغياب والتعب، له برد أن تتأخر عن العودة وغبن أن تهرب قبل بداية المأساة.
 
أن أبتسم وأطلب منه أن نعد الغيم معًا أو أن أشير إلى غيمة بشكل عشوائي "ما شكلها؟ أظنها .. رأس فيل، أليس كذلك؟" أسأله، يرجع لي بابتسامة خبّأت التعب وأضحَت شُجاعة، لكنه لا يرد علي .. لأن لا غيم في السماء، مع ذلك يمسح الغيم السانح في عيني.
 
أخبره عن معاني أسمائنا وأسأله إن كان قد أعجبه معنى اسمي، "وأرجوك لا تقل بأنني مثل اسمي .. لطيفة وودودة" على ساعدهِ الأيمن كنت أشدّ، "الأسماء لعنة؟" أسأله أيضا، يصمت طويلا ثم يردف " أخبرني صديق لي وهو شاعر بالمناسبة، بأن الأسماء ليست سوى حيلة ظريفة." "حيلة؟ كيف؟" أعود لسؤاله بإلحاح أَحَبّه،  يجيب بثقة وظننته اقتبس كلامه من صديقه الشاعر "إنها خدعة بسيطة تحمّلنا أن نكون ما لسنا عليه أحيانا". وأكثر ما كان من ردي هو موافقتي لجوابه الحقيقي بشكل غريب "آه ذلك إذن يفسر سبب كرهي لاسمي أحيانا، أظنه يرغمني على أن أكون لطيفة .. مع أنني في معظم أحياني وحش، أضف على ذلك وحش مولّع بالشوكولاتة"، يبتسم "أظنها تلك الإضافة الأخيرة هي ما يجعلك وحشا لطيفا، مما يعيدك لنقطة البداية، لحقيقة أنك .. لستِ سوى اسمكِ"، "لست سوى اسمي؟ هذا قاسٍ قليلا أعتقد" أقول بتذمر ريثما أهذب خيوط شالي، يضحك .. "حسنًا، ربما أكثر من مجرد اسمكِ بقليل."
 
"الهواء بارد، أحب الهواء البارد، أحب المعاطف والملابس الثقيلة والخطى البطيئة التي تستحث دفئًا أو ربما بللًا مفاجئ .. " أقول وأنا تحت تأثير الرياح الباردة وهي تهرول فوق جلدي، فأنكمش مثلما تنكمش ورود صغيرة تحت رذاذ الماء. "الاكتناز والمبالغة في ارتداء الملابس متعة النساء في هذا الوقت من السنة .. الشتاء استغلال جيد لموضة المعاطف والفرو وكل الأنواع الغريبة من الثقل والانتفاخ". قال بسخرية، وكان لوجهه شقاوة مالت إليها ذكريات طفولتي، أضحك .. بشدة أضحك "لأننا نحب ذلك، وليس لأننا نحب الانتفاخ، بل إن للمعاطف إحساس ناعم، خصوصا تلك الجميلة والواسعة، إنها تغُني عاطفتنا وتلملم شتات حاجتنا لكتف أو لصدر نندس فيه خلال خطوات الصباح الباردة ولسعات الهواء مساء مثل قبل من ثلج، كما أنها أنيقة ونستطيع تحتها أن نخبئ الأجزاء التي نخجل منها من أجسادنا .." وضحكت، قال وعلى وجهه تطلع ابتسامة هادئة "تبدو أحزانكم أشد ألفة وسحرا بينما تنغمرون بداخلها مثل لآلئٍ خجولة." "وهذا أيضا .." علّقت، وقد بدت لي فكرة جيدة و رومانسية، فكرة الحزن النائم تحت المعاطف .. "هذا لطيف، ولا أقصد اسمي هنا .. لكن لن يبدو مناسبا أن أنغمر كل يوم تحت معطف وآخر" بسخافة أضفت.
 
ظلّ مبتسما .. للريح التي تهب من بينه وبيني، للبرد الذي يجعل المسافة دوما أقل .. ومدى التعب أحنّ، ثم في النهاية أطلَّ بتبسمه نحو وجهي وعليه، وابتسمت مع ابتسامته  تلك التي كم كانت هادئة ومنحتني سلاما أو تخيلت أنها فعلت، ابتسامة أن تشعر بما يتكسر داخلك .. ومع ذلك ما تزال حيا، تهرب منك لحظات وتجيء إليك أخرى، وأنت ما تزال أنت، متهاو داخلك وتشتهي أن تتهاوى أنت الآخر بكل ما فيك على أرض حنونة، وربما عينان دافئتان تقولان لك ببالغ اللطف:
احزن، أنا مهيأة لتعبك.
 
 
 
 
 

 

هناك تعليقان (2):

  1. من اجمل ما قرات تسلم الايادي

    ردحذف
  2. ليتني ذاك الغريب

    ليتني كنت (معطف) ..!

    ردحذف